الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:08 pm

غزوة بنى المصلق


غزوة بني المصلق أو غزوة المريسيع ( في شعبان سنة 6 هـ )



وهذه الغزوة وإن لم تكن طويلة الذيل ، عريضة الأطراف من حيث الوجهة العسكريـة ، إلا أنها وقعـت فيـها وقـائـع أحدثـت البلبلـة والاضطـراب فـي المجتمـع الإسلامي ، وتمخضت عن افتضاح المنافقين ، والتشريعات التعزيرية التي أعطت المجتمع الإسلامي صورة خاصة من النبل والكرامة وطهارة النفوس ‏.‏ ونسرد الغزوة أولاً ، ثم نذكر تلك الوقائع ‏.‏

كانت هذه الغزوة في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي ، وسنة ست على قول ابن إسحاق‏ .‏











وسببها أنه بلغه(صلى الله عليه وسلم) أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضِرَار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فبعث بُرَيْدَة بن الحصيب الأسلمي لتحقيق الخبر ، فأتاهم ، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ، ورجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأخبره الخبر ‏.‏

وبعد أن تأكد لديه(صلى الله عليه وسلم) صحة الخبر ندب الصحابة ، وأسرع في الخروج ، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان ، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها ، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة ، وقيل‏ :‏ أبا ذر ، وقيل ‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي ، وكان الحارث بن أبي ضرار قد وجه عينًا ، ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي ، فألقى المسلمون عليه القبض وقتلوه ‏.‏







ولما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وقتله عينه ، خافوا خوفاً شديداً وتفرق عنهم من كان معهم من العرب ، وانتهى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى المُرَيْسِيع ـ بالضم فالفتح مصغراً ، اسم لماء من مياههم في ناحية قُدَيْد إلى الساحل ـ فتهيأوا للقتال ‏.‏ وَصَفَّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أصحابه ، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق ، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة ، فتراموا بالنبل ساعة ، ثم أمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فحملوا حملة رجل واحد ، فكانت النصرة وانهزم المشركون ، وقتل من قتل ، وسبى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) النساء والذراري والنعم والشاء ، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد ، قتله رجل من الأنصار ظناً منه أنه من العدو ‏.‏

كذا قال أهل المغازي والسير ، قال ابن القيم ‏:‏ هو وَهْم ، فإنه لم يكن بينهم قتال ، وإنما أغار عليهم على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح أغار رسول(صلى الله عليه وسلم) على بني المصطلق وهم غارون ، وذكر الحديث ‏.‏ انتهى ‏.‏

وكان من جملة السبي ‏:‏ جُوَيْرِيَة بنت الحارث سيد القوم ، وقعت في سهم ثابت ابن قيس فكاتبها ، فـأدى عنها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وتزوجهـا ، فأعـتق المسلـمون بسبـب هـذا التزويـج مـائـة أهـل بيـت مـن بنـي المصطلق قـد أسلمـوا ، وقـالـوا ‏:‏ أصهـار رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏

وأما الوقائع التي حدثت في هذه الغزوة ، فلأجل أن مبعثها كان هو رأس النفاق عبد الله بن أبي وأصحابه ، نرى أن نورد أولاً شيئاً من أفعالهم في المجتمع الإسلامي‏ .‏







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:10 pm


غزوة الغابة أو غزوة ذي قرد
هذه الغزوة حركة مطـاردة ضد فصيلة من بني فَزَارة قامت بعمل القرصنة في لِقَاحِ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏
وهي أول غزوة غزاها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعد الحديبية ، وقبل خيبر ‏.‏ ذكر البخاري في ترجمة باب أنها كانت قبل خيبر بثلاث ، وروى ذلك مسلم مسنداً من حديث سلمة ابن الأكوع ‏.‏ وذكر الجمهور من أهل المغازي أنها كانت قبل الحديبية ، وما في الصحيح أصح مما ذكره أهل المغازي ‏.‏
وخلاصة الروايات عن سلمة بن الأكوع بطل هذه الغزوة أنه قال ‏:‏ بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بظهره مع غلامه رَبَاح ، وأنا معه بفرس أبي طلحة ، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على الظهر ، فاستاقه أجمع ، وقتل راعيه ، فقلت ‏:‏ يا رباح ، خذ هذا الفرس فأبلغه أبا طلحة ، وأخبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثم قمت على أكَمَة ، واستتقبلت المدينة ، فناديت ثلاثاً‏ :‏ يا صباحاه ، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز ، أقول ‏:‏

أنا ابنُ الأكْـوَع واليـومُ يـومُ الرُّضّع

فو الله ما زلت أرميهم وأعقر به م، فإذا رجع إلى فارس جلست في أصل الشجر ، ثم رميته فتعفرت به ، حتى إذا دخلوا في تضايق الجبل علوته ، فجعلت أرديهم بالحجارة ، فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله تعالى من بعير من ظهر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلا خلفته وراء ظهري ، وخلوا بيني وبينه ، ثم اتبعتهم أرميهم ، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة ، وثلاثين رمحاً يستخفون ، ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة ، يعرفها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ‏.‏ حتى أتوا متضايقاً من ثَنِيَّةٍ ، فجلسوا يتغدون ، وجلست على رأس قَرْن ، فصعد إلى منهم أربعة في الجبل ، قلت ‏:‏ هل تعرفونني ‏؟‏ أنا سلمة بن الأكوع ، لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته ، ولا يطلبني فيدركني ، فرجعوا‏ .‏ فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يتخللون الشجر ، فإذا أولهم أخرم ، وعلى أثره أبو قتادة ، وعلى أثره المقداد بن الأسود ، فالتقى عبد الرحمن وأخرم ، فعقر بعبد الرحمن فرسه ، وطعنه عبد الرحمن فقتله ، وتحول على فرسه ، ولحق أبو قتادة بعبد الرحمن فطعنه فقتله ، وولى القوم مدبرين ، فتبعتهم أعدو على رجلي ، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ‏:‏ ذو قَرَد ، ليشربوا منه ، وهم عطاش ، فأجليتهم عنه ، فما ذاقوا قطرة منه ، ولحقني رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والخيل عشاء ، فقلت ‏:‏ يا رسول الله ، إن القوم عطاش ، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما عندهم من السَّرْح ، وأخذت بأعناق القوم ، فقال‏ :‏ ‏(‏ يا بن الأكوع ‏.‏ ملكت فأسجح ‏)‏، ثم قال ‏:‏ ‏( ‏إنهم ليقرون الآن في غطفان ‏)‏‏ .‏
وقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة‏ "‏‏.‏ وأعطاني سهمين ، سهم الراجل وسهم الفارس ، وأردفني وراءه على العَضْبَاء راجعين إلى المدينة ‏.‏ متفق عليه
استعمل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على المدينة في هذه الغزوة ابن أم مكتوم ، وعقد اللواء للمقداد بن عمرو ‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:11 pm

غزوة خيبر ووادي القرى في المحرم سنة 7 هـ
سبب الغزوة
كانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ثمانين ميلا من المدينة في جهة الشمال ، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة ‏.‏

سبب الغزوة
ولما اطمأن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من أقوى أجنحة الأحزاب الثلاثة ، وهو قريش ، وأمن منه تماماً بعد صلح الحديبية أراد أن يحاسب الجناحين الباقيين ـ اليهود وقبائل نجد ـ حتى يتم الأمن والسلام ، ويسود الهدوء في المنطقة ، ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه‏ .‏
ولما كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر ومركز الاستفزازات العسكرية ، ومعدن التحرشات وإثارة الحروب ، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا‏ً .‏
أما كون خيبر بهذه الصفة ، فلا ننسى أن أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين ، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الاتصالات بالمنافقين ـ الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي ـ وبغطفان وأعراب البادية ـ الجناح الثالث من الأحزاب ـ وكانوا هم أنفسهم يتهيأون للقتال ، فألقوا المسلمين بإجراءاتهم هذه في محن متوصلة ، حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وإزاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متواصلة ، وإلى الفتك برأس هؤلاء المتآمرين ، مثل سلام بن أبي الحُقَيْق ، وأسِير بن زارم ، ولكن الواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك ، وإنما أبطأوا في القيام بهذا الواجب ، لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم ـ وهي قريش ـ كانت مجابهة للمسلمين ، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين ، واقترب لهم يوم الحساب‏ .‏

الخروج إلى خيبر
قال ابن إسحاق‏:‏ أقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم ، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر ‏.‏
قال المفسرون ‏:‏ إن خيبر كانت وعدا وعدها الله تعالى بقوله‏ :‏ "‏وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ‏ "‏ ‏[ ‏الفتح‏ :‏ 20 ‏]‏ يعني صلح الحديبية ، وبالمغانم الكثيرة خيبر‏ .‏
عدد الجيش الإسلامي
ولما كان المنافقون وضعفاء الإيمان تخلفوا عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية أمر الله تعالى نبيه(صلى الله عليه وسلم فيهم قائلاً‏ :‏ ‏" سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً‏ "‏ ‏[ ‏الفتح‏ :‏ 15‏] ‏‏.‏
فلما أراد رسول الله(صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر أعلن ألا يخرج معه إلا راغب في الجهاد ، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة ‏.‏
واستعمل على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَةَ الغفاري ، وقال ابن إسحاق‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي ، والأول أصح عند المحققين ‏.‏
وبعد خروجه(صلى الله عليه وسلم قدم أبو هريرة المدينة مسلماً ، فوافي سباع بن عرفطة في صلاة الصبح ، فلما فرغ من صلاته أتى سباعاً فزوده ، حتى قدم على رسول الله(صلى الله عليه وسلم ، وكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهمانهم ‏.‏
اتصال المنافقين باليهود
وقد قام المنافقون يعملون لليهود ، فقد أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي إلى يهود خيبر ‏:‏ إن محمداً قصد قصدكم ، وتوجه إليكم ، فخذوا حذركم ، ولا تخافوا منه فإن عددكم وعدتكم كثيرة ، وقوم محمد شرذمة قليلون ، عزّل ، لا سلاح معهم إلا قليل ، فلما علم ذلك أهل خيبر ، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق وهَوْذَة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم ، لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر ، ومظاهرين لهم على المسلمين ، وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا المسلمين‏ .‏

الطريق إلى خيبر

وسلك رسول الله(صلى الله عليه وسلم في اتجاهه نحو خيبر جـبل عــصر ـ بالكسر ، وقيل ‏:‏ بالتحريك ـ ثم على الصهباء ، ثم نزل على واد يقال له ‏:‏ الرجيع ، وكان بينه وبين غطفان مسيرة يوم وليلة ، فتهيأت غطفان وتوجهوا إلى خيبر ، لإمداد اليهود ، فلما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حساً ولغطاً ، فظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم فرجعوا ، وخلوا بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم وبين خيبر ‏.‏
ثم دعا رسول الله(صلى الله عليه وسلم الدليلين اللذين كانا يسلكان بالجيش ـ وكان اسم أحدهما‏ :‏ حُسَيْل ـ ليدلاه على الطريق الأحسن ، حتى يدخل خيبر من جهة الشمال ـ أي جهة الشام ـ فيحول بين اليهود وبين طريق فرارهم إلى الشام ، كما يحول بينهم وبين غطفان‏ .‏
قال أحدهما‏ :‏ أنا أدلك يا رسول الله(صلى الله عليه وسلم ، فأقبل حتى انتهى إلى مفرق الطرق المتعددة وقال ‏:‏ يا رسول الله ، هذه طرق يمكن الوصول من كل منها إلى المقصد ، فأمر أن يسمها له واحداً واحداً‏ .‏ قال‏ :‏ اسم واحد منها حزن ، فأبى النبي(صلى الله عليه وسلم من سلوكه ، قال‏ :‏ اسم الآخر شاش ، فامتنع منه أيضاً ، وقال ‏:‏ اسم الآخر حاطب ، فامتنع منه أيضاً ، قال حسيل ‏:‏ فما بقي إلا واحد ‏.‏ قال عمر ‏:‏ ما اسمه ‏؟‏ قال ‏:‏ مَرْحَب ، فاختار النبي(صلى الله عليه وسلم سلوكه ‏.‏
بعض ما وقع في الطريق
1ـ عن سلمة بن الأكوع قال ‏:‏ خرجنا مع النبي(صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً ، فقال رجل من القوم لعامر ‏:‏ يا عامر ، ألا تسمعنا من هنيهاتك‏ ؟‏ ـ وكان عامر رجلاً شاعراً ـ فنزل يحدو بالقوم ، يقول ‏:
اللهم لولا أنت ما اهتديـنا ولا تَصدَّقْنا ولا صَلَّينـا
فاغـفر فِدَاءً لك ما اقْتَفَيْنا وَثبِّت الأقدام إن لاقينـا
وألْـقِيــنْ سكـيـنة عــلينا إنا إذا صِـيحَ بنا أبينـا
وبالصياح عَوَّلُوا عــلينا
فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏( ‏من هذا السائق‏ )‏ قالوا ‏:‏ عامر بن الأكوع ، قال ‏:‏ ‏( ‏يرحمه الله ‏) ‏‏:‏ قال رجل من القوم ‏:‏ وجبت يا نبي الله ، لولا أمتعتنا به ‏.‏ متفق عليه
وكانوا يعرفون أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم لا يستغفر لإنسان يخصه إلا استشهد ، وقد وقع ذلك في حرب خيبر‏ .‏
2- وفي الطريق أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير ( الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ) فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم : "أربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً ". أخرجه البخاري (3883)
3 ـ وبالصهباء من أدنى خيبر صلى النبي(صلى الله عليه وسلم العصر ، ثم دعا بالأزواد ، فلم يؤت إلا بالسَّوِيق ، فأمر به فثري ، فأكل وأكل الناس ، ثم قام إلى المغرب ، فمضمض ، ومضمض الناس ، ثم صلى ولم يتوضأ ، ثم صلى العشاء‏ .‏
الجيش الإسلامي إلى أسوار خيبر
وبات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبًا من خيبر ، ولا تشعر بهم اليهود ، وكان النبي(صلى الله عليه وسلم إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يصبح ، فلما أصبح صلى الفجر بغَلَس ، وركب المسلمون ، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ، ولا يشعرون ، بل خرجوا لأرضهم ، فلما رأوا الجيش قالوا ‏:‏ محمد، والله محمد والخَمِيس ، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏" ‏الله أكبر، خربت خيبر ، الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين‏ "‏ ‏.‏ البخاري (3876)
وكان النبي(صلى الله عليه وسلم اختار لمعسكره منزلاً ، فأتاه حباب بن المنذر فقال : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أنزلكه الله ، أم هو الرأي في الحرب ؟ قال : " بل هو الرأي " فقال : يا رسول الله إن هذا المنزل قريب جداً من حسن نطاة ، جميع مقاتلي خيبر فيها ، وهم يدرون أحوالنا ، ونحن لا ندري أحوالهم ، وسهامهم تصل إلينا .
وسهامنا لا تصل إليهم ، ولا نأمن من بياتهم ، وأيضاً هذا بين النخلات ، ومكان غائر ، وأرض وخيمة ، لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد نتخذه معسكراً . قال(صلى الله عليه وسلم : " الرأي ما أشرت ، ثم تحول إلى مكان آخر " .
ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال ‏:‏ ‏( ‏قفوا‏ )‏ ، فوقف الجيش ، فقال ‏:‏ ‏" ‏اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين ، فإنا نسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شر هذه القرية ، وشرّ أهلها ، وشر ما فيها أقدموا بسم الله ‏"سيرة ابن هشام (2/،329) التهيؤ للقتال وحصون خيبر

للقتال وحصون خيبر
ولما كانت ليلة الدخول ـ وقيل ‏:‏ بل بعد عدة محاولات ومحاربات ـ قال النبي(صلى الله عليه وسلم :‏ ‏(‏ لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ‏‏)‏ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله(صلى الله عليه وسلم ، كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال ‏:‏ ‏( ‏أين علي بن أبي طالب‏ ؟ ‏‏)‏ فقالوا ‏:‏ يا رسول الله ، هو يشتكي عينيه ، قال‏ :‏ ‏( ‏فأرسلوا إليه ‏)‏ ، فأتى به فبصق رسول الله(صلى الله عليه وسلم في عينيه ، ودعا له، فبرئ ، كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ، قال ‏:‏ ‏" ‏انفذ على رسلك ، حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه ، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم‏ "‏‏.‏ البخاري (3888)
وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين ، شطر فيها خمسة حصون‏ :‏
1 ـ حصن ناعم ‏.‏
2 ـ حصن الصَّعْب بن معاذ‏ .‏
3 ـ حصن قلعة الزبير ‏.‏
4 ـ حصن أبي‏ .‏
5 ـ حصن النِّزَار‏ .‏
والحصون الثلاثة الأولى منها كانت تقع في منطقة يقال لها ‏:‏ ‏( ‏النطاة‏ )‏ وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمي بالشَّقِّ‏.‏
أما الشطر الثاني ، ويعرف بالكتيبة ، ففيه ثلاثة حصون فقط‏ :‏
1 ـ حصن القَمُوص ‏( ‏وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير‏ ) ‏.‏
2 ـ حصن الوَطِيح‏ .‏
3 ـ حصن السُّلالم‏ .‏
وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية ، إلا أنها كانت صغيرة ، لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها ‏.‏
والقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها ، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال ‏.‏
بدء المعركة وفتح حصن ناعم
وأول حصن هاجمه المسلمون من حصونهم الثمانية هو حصن ناعم‏ .‏
وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاستراتيجي ، وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف‏ .‏
خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمسلمين إلى هذا الحصن ، ودعا اليهود إلى الإسلام ، فرفضوا هذه الدعوة ، وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب ، فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة ، قال سلمة بن الأكوع‏ :‏ فلما أتينا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول‏ :‏
قد عَلِمتْ خيبر أني مَرْحَب شَاكِي السلاح بطل مُجَرَّب
إذا الحروب أقبلتْ تَلَهَّب
فبرز له عمي عامر فقال ‏:‏
قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مُغَامِر
فاختلفا ضربتين ، فوقع سيف مرحب في ترس عمي عامر ، وذهب عامر يسفل له ، وكان سيفه قصيرًا ، فتناول به ساق اليهودي ليضربه ، فيرجع ذُبَاب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه ، وقال فيه النبي(صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏" ‏إن له لأجرين ـ وجمع بين إصبعيه ـ إنه لجَاهِدٌ مُجَاهِد ، قَلَّ عربي مَشَى بها مِثْلَه ‏" .‏متفق عليه
ويبدو أن مرحبًا دعا بعد ذلك إلى البراز مرة أخرى وجعل يرتجز بقوله ‏:‏
قد علمت خيبر أني مرحب‏ .‏‏.‏‏.‏ إلخ ، فبرز له على بن أبي طالب ‏.‏ قال سلمة ابن الأكوع‏ :‏ فقال علي ‏:‏
أنا الذي سمتني أمي حَيْدَرَهْ كلَيْثِ غابات كَرِيه المَنْظَرَهْ
أُوفِيهم بالصَّاع كَيْل السَّنْدَرَهْ
فضرب رأس مرحب فقتله ، ثم كان الفتح على يديه ‏.‏
ولما دنا علي رضي الله عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن ، وقال ‏:‏ من أنت‏ ؟‏ فقال ‏:‏ أنا علي بن أبي طالب ، فقال اليهودي ‏:‏ علوتم وما أنزل على موسى ‏.‏
ثم خرج ياسر أخو مرحب ، وهو يقول ‏:‏ من يبارز‏ ؟‏ فبرز إليه الزبير ، فقالت صفية أمه ‏:‏ يا رسول الله ، يقتل ابني ، قال ‏:‏ ‏( ‏بل ابنك يقتله ‏) ‏، فقتله الزبير ‏.‏
ودار القتال المرير حول حصن ناعم ، قتل فيه عدة سراة من اليهود ، انهارت لأجله مقاومة اليهود ، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين ، ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أيامًا لاقي المسلمون فيها مقاومة شديدة ، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين ، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصَّعْب ، واقتحم المسلمون حصن ناعم ‏.‏
فتح حصن الصعب بن معاذ
وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم ، قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري ، ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام ، وفي اليوم الثالث ، دعا رسول الله(صلى الله عليه وسلم لفتح هذا الحصن دعوة خاصة‏ .‏
روى ابن إسحاق أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله(صلى الله عليه وسلم ، فقالوا‏ :‏ لقد جهدنا ، وما بأيدينا من شيء ، فقال ‏:‏ ‏" ‏اللهم إنك قد عرفت حالهم ، وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غَنَاء ، وأكثرها طعامًا ووَدَكًا‏ "‏‏.‏ فغدا الناس ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه‏ .‏ ابن هشام (2/332)
ولما ندب النبي(صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجمة ، ودار البراز والقتال أمام الحصن ، ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس ، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات ‏.‏
ولأجل هذه المجاعة الشديدة التي ورد ذكرها في رواية ابن إسحاق ، كان رجال من الجيش قد ذبحوا الحمير ، ونصبوا القدور على النيران ، فلما علم رسول الله(صلى الله عليه وسلم بذلك نهى عن لحوم الحمر الإنسية ‏.‏
فتح قلعة الزبير
وبعد فتح حصن ناعم والصعب تحول اليهود من كل حصون النَّطَاة إلى قلعة الزبير ، وهو حصن منيع في رأس قُلَّةٍ ، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه ، ففرض عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم الحصار ، وأقام محاصرًا ثلاثة أيام ، فجاء رجل من اليهود ، وقال ‏:‏ يا أبا القاسم ، إنك لو أقمت شهرًا ما بالوا ، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض ، يخرجون بالليل ويشربون منها ، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك ، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك‏.‏
فقطع ماءهم عليهم ، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال ، قتل فيه نفر من المسلمين ، وأصيب نحو العشرة من اليهود ، وافتتحه رسول الله(صلى الله عليه وسلم .‏

فتح قلعة أبي
وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيه ، وفرض المسلمون عليهم الحصار ، وقام بطلان من اليهود واحد بعد الآخر بطلب المبارزة ، وقد قتلهما أبطال المسلمين ، وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشَة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء‏
.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:14 pm

فتح حصن النزار
كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر ، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة ، وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل ، ولذلك أقاموا في هذه القلعة مع الذراري والنساء ، بينما كانوا قد أخلوا منها القلاع الأربعة السابقة ‏.‏
وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار ، وصاروا يضغطون عليهم بعنف ، ولكون الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلاً للاقتحام فيه‏ ،‏ أما اليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن ، وللاشتباك مع قوات المسلمين ، ولكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال ، وبإلقاء الحجارة ‏.‏
وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين ، أمر النبي(صلى الله عليه وسلم بنصب آلات المنجنيق ، ويبدو أن المسلمين قذفوا به القذائف ، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن ، واقتحموه ، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة ، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى ، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم‏ .‏
وبعد فتح هذا الحصن المنيع تم فتح الشطر الأول من خيبر ، وهي ناحية النَّطَاة والشَّقِّ ، وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إلا أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذه الحصون ، وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر‏ .‏
فتح الشطر الثاني من خيبر
ولما أتم رسول الله(صلى الله عليه وسلم فتح ناحية النطاة والشق ، تحول إلى أهل الكتيبة التي بها حصن القَمُوص ‏:‏ حصن بني أبي الحُقَيْق من بني النضير ، وحصن الوَطِيح والسُّلالم ، وجاءهم كل فَلِّ كان انهزم من النطاة والشق ، وتحصن هؤلاء أشد التحصن ‏.‏
واختلف أهل المغازي هل جرى هناك قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا‏ ؟‏ فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص ، بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجري هناك مفاوضة للاستسلام ‏.‏
أما الواقدي ، فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاث إنما أخذت بعد المفاوضة ، ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارة القتال ، وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دونما قتال ‏.‏
ومهما كان ، فلما أتى رسول الله(صلى الله عليه وسلم إلى هذه الناحية ـ الكتيبة ـ فرض على أهلها أشد الحصار ، ودام الحصار أربعة عشر يومًا ، واليهود لا يخرجون من حصونهم ، حتى همّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليهم المنجنيق ، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله(صلى الله عليه وسلم الصلح ‏.
المفاوضة
وأرسل ابن أبي الحُقَيْق إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم ‏ :‏ أنزل فأكلمك ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏نعم ‏)‏ ، فنزل ، وصالح على حقن دماء مَنْ في حصونهم من المقاتلة ، وترك الذرية لهم ، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ، ويخلون بين رسول الله(صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض ، وعلى الصفراء والبيضاء ـ أي الذهب والفضة ـ والكُرَاع والْحَلْقَة إلا ثوبًا على ظهر إنسان ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏" ‏وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا‏ً "‏، زاد المعاد (3/289) فصالحوه على ذلك ، وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين ، وبذلك تم فتح خيبر‏ .‏
قتل ابني أبي الحقيق لنقض العهد
على رغم هذه المعاهدة غيب ابنا أبي الحقيق مالاً كثيراً ، غيبا مَسْكًا فيه مال وحُلُي لحيي بن أخطب ، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وأتي رسول الله(صلى الله عليه وسلم بكِنَانة الربيع ، وكان عنده كنز بني النضير ، فسأله عنه ، فجحد أن يكون يعرف مكانه ، فأتى رجل من اليهود فقال ‏:‏ إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم لكنانة ‏:‏ ‏" ‏أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك‏ ؟‏ "قال ‏:‏ نعم ، فأمر بالخربة ، فحفرت ، فأخرج منها بعض كنزهم ، ثم سأله عما بقي ، فأبى أن يؤديه‏ .‏ فدفعه إلى الزبير ، وقال ‏:‏ عذبه حتى نستأصل ما عنده ، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه ، ثم دفعه رسول الله(صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة ، فضرب عنقه بمحمود بن مسلمة ـ وكان محمود قتل تحت جدار حصن ناعم ، ألقي عليه الرحى ، وهو يستظل بالجدار فمات .‏
وذكر ابن القيم أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابني أبي الحقيق ، وكان الذي اعترف عليهما بإخفاء المال هو ابن عم كنانة ‏.‏
وسبى رسول الله(صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب ، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق ، وكانت عروسًا حديثة عهد بالدخول ‏.
قسمة الغنائم
وأراد رسول الله(صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود من خيبر ، فقالوا ‏:‏ يا محمد ، دعنا نكون في هذه الأرض ، نصلحها ، ونقوم عليها ، فنحن أعلم بها منكم ، ولم يكن لرسول الله(صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها ، وكانوا لا يفرغون حتى يقوموا عليها ، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ، ومن كل ثمر ، ما بدا لرسول الله(صلى الله عليه وسلم أن يقرهم ، وكان عبد الله بن رواحة يخرصه عليهم ‏.‏
وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهمًا ، جمع كل سهم مائة سهم ، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم ، فكان لرسول الله(صلى الله عليه وسلم والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم ، لرسول الله(صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين ، وعزل النصف الآخر ، وهو ألف وثمانمائة سهم ، لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين ، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب ، وكانوا ألفا وأربعمائة ، وكان معهم مائتا فرس ، لكل فرس سهمان ، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم ، فصار للفارس ثلاثة أسهم ، وللراجل سهم واحد .‏
ويدل على كثرة مغانم خيبر ما رواه البخاري عن ابن عمر قال ‏:‏ ما شبعنا حتى فتحنا خيبر ، وما رواه عن عائشة قالت‏ :‏ لما فتحت خيبر قلنا ‏:‏ الآن نشبع من التمر ، ولما رجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبر مال ونخيل ‏.
قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين
وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، ومعهم الأشعريون أبو موسى وأصحابه‏ .‏
قال أبو موسى ‏:‏ بلغنا مخرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه ـ أنا وأخوان لي ـ في بضع وخمسين رجلاً من قومي ، ركبنا سفينة ، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفرًا وأصحابه عنده ، فقال ‏:‏ إن رسول الله(صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة ، فأقيموا معنا ، فأقمنا معه حتى قدمنا فوافقنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر ، فأسهم لنا ، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا لمن شهد معه ، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه ، قسم لهم معهم‏ .‏
ولما قدم جعفر على النبي(صلى الله عليه وسلم تلقاه وقَبَّلَ ما بين عينيه وقال‏ :‏ ‏" ‏والله ما أدري بأيهما أفرح ؟‏ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ‏" ‏‏.‏ اخرجه الطبراني في الأوسط وسنده ضعيف
وكان قدوم هؤلاء على أثر بعث الرسول(صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري يطلب توجيههم إليه ، فأرسلهم النجاشي على مركبين ، وكانوا ستة عشر رجلاً ، معهم من بقي من نسائهم وأولادهم ، وبقيتهم جاءوا إلى المدينة قبل ذلك ‏.
الزواج بصفية
ذكرنا أن صفية جعلت في السبايا حين قتل زوجها كِنَانة بن أبي الحقيق لغدره ، ولما جمع السبي جاء دحية بن خليفة الكلبي ، فقال :‏ يا نبي الله ، أعطني جارية من السبي ، فقال ‏:‏ اذهب فخذ جارية ، فأخذ صفية بنت حيي ، فجاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم فقال‏ :‏ يا نبي الله ، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة وبني النضير ، لا تصلح إلا لك ، قال ‏:‏ ‏(‏ ادعوه بها‏ ) ‏‏.‏ فجاء بها ، فلما نظر إليها النبي(صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ ‏( ‏خذ جارية من السبي غيرها‏ ) ‏، وعرض عليها النبي (صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت ، فأعتقها وتزوجها ، وجعل عتقها صداقها ، حتى إذا كان بسد الصهباء راجعًا إلى المدينة حلت ، فجهزتها له أم سليم ، فأهدتها له من الليل ، فأصبح عروسًا بها ، وأولم عليها بحيس من التمر والسمن والسَّوِيق ، وأقام عليها ثلاثة أيام في الطريق يبني بها‏ .‏ متفق عليه
ورأى بوجهها خضرة ، فقال ‏:‏ ‏(‏ ما هذا ‏؟ ‏‏)‏ قالت ‏:‏ يا رسول الله ، رأيت قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه ، وسقط في حجري ، ولا والله ما أذكر من شأنك شيئاً ، فقصصتها على زوجي ، فلطم وجهي‏ .‏ فقال ‏:‏ تمنين هذا الملك الذي بالمدينة ‏.‏
أمر الشاة المسمومة
ولما اطمأن رسول الله(صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد فتحها أهدت له زينب بنت الحارث ، امرأة سَلاَّم بن مِشْكَم ، شاة مَصْلِيَّةً ، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ فقيل لها ‏:‏ الذراع ، فأكثرت فيها من السم ، ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم تناول الذراع ، فَلاَكَ منها مضغة فلم يسغها ، ولفظها ، ثم قال ‏:‏ ‏( ‏إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم ‏) ‏، ثم دعا بها فاعترفت ، فقال ‏:‏ ‏( ‏ما حملك على ذلك ‏؟ ‏‏)‏ قالت ‏:‏ قلت ‏:‏ إن كان ملكًا استرحت منه ، وإن كان نبيًا فسيخبر ، فتجاوز عنها‏ .‏ البخاري (3169)
وكان معه بِشْر بن البراء بن مَعْرُور ، أخذ منها أكلة فأساغها ، فمات منها‏ .‏
واختلفت الروايات في التجاوز عن المرأة وقتلها ، وجمعوا بأنه تجاوز عنها أولاً ، فلما مات بشر قتلها قصاصاً ‏.
قتلى الفريقين في معارك خيبر
وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلاً ، أربعة من قريش وواحد من أشْجَع ، وواحد من أسْلَم ، وواحد من أهل خيبر والباقون من الأنصار ‏.‏
ويقال‏ :‏ إن شهداء المسلمين في هذه المعارك 81 رجلاً‏ .‏
وذكر العلامة المنصور فوري 91 رجلاً، ثم قال‏:‏ إني وجدت بعد التفحص 32 اسماً ، واحد منها في الطبري فقط ، وواحد عند الواقدي فقط ، وواحد مات لأجل أكل الشاة المسمومة ، وواحد اختلفوا هل قتل في بدر أو خيبر ، والصحيح أنه قتل في بدر ‏.‏
أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً‏ .‏


يهود فدك
ولما بلغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى خيبر، بعث مُحَيِّصَة بن مسعود إلى يهود فَدَك ، ليدعوهم إلى الإسلام ، فأبطأوا عليه ، فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم ، فبعثوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما عامل عليه أهل خيبر ، فقبل ذلك منهم ، فكانت فدك لرسول الله(صلى الله عليه وسلم خالصة ، لأنه لم يُوجِف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ‏.

وادي القرى
ولما فرغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من خيبر، انصرف إلى وادي القرى ، وكان بها جماعة من اليهود ، وانضاف إليهم جماعة من العرب ‏.‏
فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي ، وهم على تعبئة ، فقتل مِدْعَم ـ عَبْدٌ لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ فقال الناس ‏:‏ هنيئا له الجنة ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ "‏كلا ، والذي نفسي بيده ، إن الشَّمْلَة التي أخذها يوم خيبر من المغانم ، لم تصبها المقاسم ، لتشتعل عليه نارًا‏ "‏ ، فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) بشِرَاك أو شراكين ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) :‏ "‏شراك من نار أو شراكان من نار "‏‏.‏ البخاري (3908)
ثم عَبَّأ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أصحابه للقتال ، وصَفَّهم ، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة ، وراية إلى الحُبَاب بن المنذر ، وراية إلى سهل بن حُنَيْف ، وراية إلى عباد بن بشر ، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا ، وبرز رجل منهم ، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله ، ثم برز آخر فقتله ، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله ، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً ، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام ‏.‏

وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم ، فيصلي بأصحابه ، ثم يعود ، فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله ، فقاتلهم حتى أمسوا ، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم ، وفتحها عنوة ، وغَنَّمَهُ اللهُ أموالهم ، وأصابوا أثاثا ومتاعًا كثيرًا‏ .‏
وأقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بوادي القري أربعة أيام ‏.، وقسم على أصحابه ما أصاب بها ، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود ، وعاملهم عليها ـ كما عامل أهل خيبر ‏.‏
تيماء
ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فَدَك ووادي القُرَى ، لم يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين ، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح ، فقبل ذلك منهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وأقاموا بأموالهم‏ .‏،وكتب لهم بذلك كتاباً وهاك نصه‏ :‏
هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا ، أن لهم الذمة ، وعليهم الجزية ، ولا عداء ولا جلاء ، الليل مد ، والنهار شد ، وكتب خالد بن سعيد ‏.‏
العودة إلى المدينة
ثم أخذ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في العودة إلى المدينة ، وفي مرجعه ذلك سار النبي (صلى الله عليه وسلم)ليلة ، ثم نام في آخر الليل ببعض الطريق، وقال لبلال ‏:‏ ‏( ‏اكلأ لنا الليل ‏) ‏، فغلبت بلالاً عيناه ، وهو مستند إلى راحلته ، فلم يستيقظ أحد ، حتى ضربتهم الشمس ، وأول من استيقظ بعد ذلك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثم خرج من ذلك الوادي ، وتقدم ، ثم صلى الفجر بالناس ، وقيل ‏:‏ إن هذه القصة في غير هذا السفر‏.‏
وبعد النظر في تفصيل معارك خيبر ، يبدو أن رجوع النبي(صلى الله عليه وسلم) كان في أواخر صفر أو في ربيع الأول سنة 7 هـ‏ .‏
سرية أبان بن سعيد
كان النبي(صلى الله عليه وسلم) يعرف أكثر من كل قائد عسكري أن إخلاء المدينة تماماً بعد انقضاء الأشهر الحرم ليس من الحزم قطعًا ، بينما الأعراب ضاربة حولها ، تطلب غرة المسلمين للقيام بالنهب والسلب وأعمال القرصنة ، ولذلك أرسل سرية إلى نجد لإرهاب الأعراب تحت قيادة أبان بن سعيد ، بينما كان هو إلى خيبر ، وقد رجع أبان بن سعيد بعد قضاء ما كان واجبًا عليه ، فوافى النبي (صلى الله عليه وسلم)بخيبر ، وقد افتتحها‏ .‏
والأغلب أن هذه السرية كانت في صفر سنة 7هـ ، وقد ورد ذكرها في البخاري ‏.‏
قال ابن حجر‏:‏ لم أعرف حال هذه السرية‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:21 pm

غزوة ذات الرقاع

ولما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من كسر جناحين قويين من أجنحة الأحزاب الثلاثة تفرغ تمامًا للالتفات إلى الجناح الثالث ، أي إلى الأعراب القساة الضاربين في فيافي نجد ، والذين ما زالوا يقومون بأعمال النهب والسلب بين آونة وأخرى ‏.‏
ولما كان هؤلاء البدو لا تجمعهم بلدة أو مدينة ، ولم يكونوا يقطنون الحصون والقلاع ، كانت الصعوبة في فرض السيطرة عليهم وإخماد نار شرهم تمامًا تزداد بكثير عما كانت بالنسبة إلى أهل مكة وخيبر ، ولذلك لم تكن تجدي فيهم إلا حملات التأديب والإرهاب ، وقام المسلمون بمثل هذه الحملات مرة بعد أخرى ‏.‏
ولفرض الشوكة ـ أو لاجتماع البدو الذين كانوا يتحشدون للإغارة على أطراف المدينة ـ قام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بحملة تأديبية عرفت بغزوة ذات الرقاع ‏.‏
وعامة أهل المغازي يذكرون هذه الغزوة في السنة الرابعة ، ولكن حضور أبي موسى الأشعري وأبي هريرة رضي الله عنهما في هذه الغزوة يدل على وقوعها بعد خيبر ، والأغلب أنها وقعت في شهر ربيع الأول سنة 7 هـ‏ .‏
وملخص ما ذكره أهل السير حول هذه الغزوة‏ :‏ أن النبي(صلى الله عليه وسلم) سمع باجتماع بني أنمار أو بني ثعلبة وبني مُحَارِب من غطفان ، فأسرع بالخروج إليهم في أربعمائة أو سبعمائة من أصحابه ، واستعمل على المدينة أبا ذر أو عثمان بن عفان رضي الله عنهما ، وسار فتوغل في بلادهم حتى وصل إلى موضع يقال له ‏:‏ نخل ، على بعد يومين من المدينة ، ولقي جمعاً من غطفان ، فتقاربوا وأخاف بعضهم بعضاً ولم يكن بينهم قتال ، إلا أنه صلي بهم يومئذ صلاة الخوف ‏. ‏وفي رواية البخاري ‏:‏ وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا ، وصلى بالطائفة الأخري ركعتين ، وكان للنبي(صلى الله عليه وسلم) أربع ، وللقوم ركعتان ‏.


وفي البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم قال ‏:‏ خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ، فنقبت أقدامنا ، ونقبت قدماي ، وسقطت أظفاري ، فكنا نلف على أرجلنا الخرق ، فسميت ذات الرقاع ، لما كنا نعصب الخرق على أرجلنا ‏.‏
وفيه عن جابر‏:‏ كنا مع النبي(صلى الله عليه وسلم) بذات الرقاع ، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي(صلى الله عليه وسلم) ، فنزل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فتفرق الناس في العضاة ، يستظلون بالشجر ، ونزل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) تحت شجرة فعلق بها سيفه ‏.‏ قال جابر ‏:‏ فنمنا نومة ، فجاء رجل من المشركين ‏:‏ فاخترط سيف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال‏ :‏ أتخافني‏ ؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏لا ‏) ‏، قال ‏:‏ فمن يمنعك مني ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏الله ‏)‏ ‏.‏ قال جابر ‏:‏ فإذا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يدعونا ، فجئنا ، فإذا عنده أعرابي جالس ‏.‏ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏( ‏إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت وهو في يده صَلْتًا‏ .‏ فقال لي‏ :‏ من يمنعك مني ‏؟‏ قلت ‏:‏ الله ، فها هو ذا جالس‏ ) ‏، ثم لم يعاتبه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏ وفي رواية أبي عوانة ‏:‏ فسقط السيف من يده ، فأخذه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال‏ :‏ ‏( ‏من يمنعك مني ‏؟ ‏‏)‏ قال ‏:‏ كـن خـير آخـذ ، قال‏ :‏ ‏( ‏تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ‏؟ ‏‏)‏ قال الأعرابي‏ :‏ أعاهدك على ألا أقاتلك ، ولا أكون مع قوم يقاتلونك ، قال‏ :‏ فخلى سبيله ، فجاء إلى قومه ، فقال ‏:‏ جئتكم من عند خير الناس ‏.‏
وفي رواية البخاري‏: ‏ قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر ‏:‏ اسم الرجل غَوْرَث ابن الحارث ‏. ‏قال ابن حجر ‏:‏ ووقع عند الواقدي في سبب هذه القصة ‏:‏ أن اسم الأعرابي دُعْثُور ، وأنه أسلم ، لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين ‏.‏ والله أعلم ‏.‏
وفي مرجعهم من هذه الغزوة سبوا امرأة من المشركين ، فنذر زوجها ألا يرجع حتى يهريق دماً في أصحاب محمد(صلى الله عليه وسلم) ، فجاء ليلاً ، وقد أرصد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) رجلين رَبِيئة للمسلمين من العدو ، وهما عباد بن بشر وعمار بن ياسر ، فضرب عباداً ، وهو قائم يصلي ، بسهم فنزعه ، ولم يبطل صلاته ، حتى رشقه بثلاثة أسهم ، فلم ينصرف منها حتى سلم ، فأيقظ صاحبه ، فقال‏ :‏ سبحان الله ‏!‏ هلا نبهتني ، فقال‏ :‏ إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها‏ .‏
كان لهذه الغزوة أثر في قذف الرعب في قلوب الأعراب القساة ، وإذا نظرنا إلى تفاصيل السرايا بعد الغزوة نرى أن هذه القبائل من غطفان لم تجترئ أن ترفع رأسها بعد هذه الغزوة ، بل استكانت شيئاً فشيئاً حتى استسلمت ، بل وأسلمت ، حتى نرى عدة قبائل من هذه الأعراب تقوم مع المسلمين في فتح مكة ، وتغزو حُنَيْناً ، وتأخذ من غنائمها ، ويبعث إليها المصدقون فتعطي صدقاتها بعد الرجوع من غزوة الفتح ، فبهذا تم كسر الأجنحة الثلاثة التي كانت ممثلة في الأحزاب ، وساد المنطقة الأمن والسلام ، واستطاع المسلمون بعد ذلك أن يسدوا بسهولة كل خلل وثلمة حدثت في بعض المناطق من بعض القبائل ، بل بعد هذه الغزوة بدأت التمهيدات لفتوح البلدان والممالك الكبيرة ، لأن الظروف في داخل البلاد كانت قد تطورت لصالح الإسلام والمسلمين ‏.‏
وبعد الرجوع من هذه الغزوة أقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى شوال سنة 7 هـ‏ .‏
وبعث في خلال ذلك عدة سرايا‏ ،‏ وهاك بعض تفصيلها‏ :‏
1 ـ سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني المُلَوَّح بُقدَيْد ، في صفر أو ربيع الأول سنة 7 هـ ‏.‏ كان بنو الملوح قد قتلوا أصحاب بشير بن سُوَيْد ، فبعثت هذه السرية لأخذ الثأر ، فشنوا الغارة في الليل فقتلوا من قتلوا ، وساقوا النعم ، وطاردهم جيش كبير من العدو ، حتى إذا قرب من المسلمين نزل مطر ، فجاء سيل عظيم حال بين الفريقين ‏.‏ ونجح المسلمون في بقية الانسحاب ‏.‏
2 ـ سرية حِسْمَى ، في جمادى الثانية سنة 7 هـ ، وقد مضى ذكرها في مكاتبة الملوك‏ .‏
3 ـ سرية عمر بن الخطاب إلى تُرَبَة ، في شعبان سنة 7 هـ ، ومعه ثلاثون رجلاً‏ .‏ كانوا يسيرون الليل ويستخفون في النهار ، وأتى الخبر إلى هوازن فهربوا ، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق أحداً ، فانصرف راجعاً إلى المدينة ‏.‏
4 ـ سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بناحية فَدَك ، في شعبان سنة 7هـ في ثلاثين رجلاً ‏.‏ خرج إليهم واستاق الشاء والنعم ، ثم رجع فأدركه الطلب عند الليل ، فرموهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه ، فقتلوا جميعاً إلا بشير ، فإنه ارْتُثَّ إلى فدك ، فأقام عند يهود حتى برأت جراحه ، فرجع إلى المدينة‏ .‏
5 ـ سرية غالب بن عبد الله الليثي ، في رمضان سنة 7 هـ إلى بني عُوَال وبني عبد ابن ثعلبة بالمَيْفَعَة ، وقيل إلى الحُرَقَات من جُهَيْنَة ، في مائة وثلاثين رجلاً ، فهجموا عليهم جميعاً ، وقتلوا من أشرف لهم ، واستاقوا نعما وشاء ، وفي هذه السرية قتل أسامةُ بن زيد نَهِيكَ بن مِرْدَاس بعد أن قال ‏:‏ لا إله إلا الله ، فلما قدموا وأخبر النبي(صلى الله عليه وسلم) ، كبر عليه وقال ‏:‏ ‏( ‏أقتلته بعد ما قال ‏:‏ لا إله إلا الله‏ ؟‏ ‏)‏ فقال ‏:‏ إنما قالها متعوذاً قال ‏:‏ ‏( ‏فهلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب‏ ؟‏‏ ) ‏‏.‏
متفق عليه
6 ـ سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر ، في شوال سنة 7 هـ في ثلاثين راكبًا‏ .‏ وذلك أن أسِير أو بشير بن زارم كان يجمع غطفان لغزو المسلمين ، فأخرجوا أسيرًا في ثلاثين من أصحابه ، وأطمعوه أن الرسول(صلى الله عليه وسلم) يستعمله على خيبر ، فلما كانوا بقَرْقَرَة نِيَار وقع بين الفريقين سوء ظن أفضى إلى قتل أسير وأصحابه الثلاثين‏ .‏ ذكر الواقدي هذه السرية في شوال سنة ست قبل خيبر بأشهر ‏.‏
7 ـ سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجَبار ‏[ ‏بالفتح ، أرض لغطفان ، وقيل ‏:‏ لفَزَارَة وعُذْرَة ‏] ‏، في شوال سنة 7 هـ في ثلاثمائة من المسلمين ، للقاء جمع كبير تجمعوا للإغارة على أطراف المدينة ، فساروا الليل وكمنوا النهار ، فلما بلغهم مسير بشير هربوا ، وأصاب بشير نعما كثيرة ، وأسر رجلين ، فقدم بهما المدينة إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأسلما ‏.‏
8 ـ سرية أبي حَدْرَد الأسلمي إلى الغابة ، ذكرها ابن القيم في سرايا السنة السابعة قبل عمرة القضاء ، وملخصها ‏:‏ أن رجلاً من جُشَم بن معاوية أقبل في عدد كبير إلى الغابة ، يريد أن يجمع قيسًا على محاربة المسلمين ‏.‏ فبعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أبا حدرد مع رجلين ليأتوا منه بخبر وعلم ، فوصلوا إلى القوم مع غروب الشمس ، فكمن أبو حدرد في ناحية ، وصاحباه في ناحية أخرى ، وأبطأ على القوم راعيهم حتى ذهبت فحمة العشاء ، فقام رئيس القوم وحده ، فلما مر بأبي حدرد رماه بسهم في فؤاده فسقط ولم يتكلم ، فاحتز أبو حدرد رأسه ، وشد في ناحية العسكر ، وكبر ، وكبر صاحباه وشدا ، فما كان من القوم إلا الفرار ، واستاق المسلمون الثلاثة الكثير من الإبل والغنم ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:23 pm

معركة مؤتة
وهذه المعركة أكبر لقاء مُثْخِن ، وأعظم حرب دامية خاضها المسلمون في حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهي مقدمة وتمهيد لفتوح بلدان النصارى ، وقعت في جمادى الأولى سنة 8 هـ ، وفق أغسطس أو سبتمبر سنة 926 م ‏.‏
ومؤتة ‏( ‏بالضم فالسكون ‏)‏ هي قرية بأدنى بلقاء الشام ، بينها وبين بيت المقدس مرحلتان.

سبب المعركة

وسبب هذه المعركة أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بُصْرَي‏ ،‏ فعرض له شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني ـ وكان عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر ـ فأوثقه رباطاً ، ثم قدمه ، فضرب عنقه ‏.‏
وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم ، يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب ، فاشتد ذلك على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حين نقلت إليه الأخبار ، فجهز إليهم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل ، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب ‏.‏
أمراء الجيش ووصية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إليهم

أمر رسول الله على هذا البعث زيد بن حارثة ، وقال ‏:‏ ‏" ‏إن قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة "‏ ، أخرجه البخاري (7/393) وعقد لهم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة ‏.‏ (صلى الله عليه وسلم)

وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير ، وأن يدعوا مَنْ هناك إلى الإسلام ، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم ، وقاتلوهم ، وقال لهم ‏:‏ ‏" ‏اغزوا بسم الله ، في سبيل الله ، مَنْ كفر بالله ، لا تغدروا ، ولا تغلوا ، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ، ولا كبيراً فانياً ، ولا منعزلاً بصومعة ، ولا تقطعوا نخلاً ولا شجرة ، ولا تهدموا بناء ‏" ‏‏.‏

توديع الجيش الإسلامي وبكاء عبد الله بن رواحة
ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج حضر الناس ، وودعوا أمراء رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وسلموا عليهم ، وحينئذ بكي أحد أمراء الجيش ـ عبد الله بن رواحة ـ فقالوا ‏:‏ ما يبكيك ‏؟‏ فقال ‏:‏ أما والله ما بي حب الدنيا ، ولا صبابة بكم ، ولكني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار‏ : ‏" ‏وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا "‏ ‏[ ‏مريم ‏: ‏71 ‏] ‏، فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود‏ ؟‏ فقال المسلمون ‏:‏ صحبكم الله بالسلامة ، ودفع عنكم ، وردكم إلينا صالحين غانمين ، فقال عبد الله بن رواحة ‏:‏
لكنني أسأل الرحمن مغفــرة
أو طعنة بيدي حران مجـهزة
حتى يقال إذا مروا على جدثي
وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
بحربة تنفذ الأحشـاء والكبدا
أرشده الله من غاز وقد رشدا

ثم خرج القوم ، وخرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية الوداع ، فوقف وودّعهم‏ .

تحرك الجيش الإسلامي ومباغتته حاله رهيبة
وتحرك الجيش الإسلامي في اتجاه الشمال حتى نزل مَعَان ، من أرض الشام ، مما يلي الحجاز الشمالي ، وحينئذ نقلت إليهم الاستخبارات بأن هرقل نازل بمآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ، وانضم إليهم من لَخْم وجُذَام وبَلْقَيْن وبَهْرَاء وبَلِي مائة ألف.

المجلس الاستشاري بمعان
لم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش العرمرم ـ الذي بوغتوا به في هذه الأرض البعيدة ـ وهل يهجم جيش صغير ، قوامه ثلاثة آلاف مقاتل فحسب ، على جيش كبير عرمرم مثل البحر الخضم ، قوامه مائتا ألف مقاتل ‏؟‏ حار المسلمون ، وأقاموا في مَعَان ليلتين يفكرون في أمرهم ، وينظرون ويتشاورون ، ثم قالوا‏ :‏ نكتب إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فنخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له‏ .‏
ولكن عبد الله بن رواحة عارض هذا الرأي ، وشجع الناس ، قائلاً‏ :‏ يا قوم ، والله إن التي تكرهون لَلَّتِي خرجتم تطلبون ‏:‏ الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا ، فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور وإما شهادة‏ .‏
وأخيراً استقر الرأي على ما دعا إليه عبد الله بن رواحة‏ .

الجيش الإسلامي يتحرك نحو العدو
وحينئذ بعد أن قضى الجيش الإسلامي ليلتين في معان ، تحركوا إلى أرض العدو ، حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء يقال لها‏ :‏ ‏[ ‏َشَارِف ‏]‏ ثم دنا العدو ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة ، فعسكروا هناك ، وتعبأوا للقتال ، فجعلوا على ميمنتهم قُطْبَة بن قتادة العُذْرِي ، وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري ‏.‏
بداية القتال وتناوب القواد

وهناك في مؤتة التقى الفريقان ، وبدأ القتال المرير ، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل ‏.‏ معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة ، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب ‏.‏
أخذ الراية زيد بن حارثة ـ حِبُّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ وجعل يقاتل بضراوة بالغة ، وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإسلام ، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم ، وخر صريعاً‏ .‏
وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ، وطفق يقاتل قتالاً منقطع النظير ، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها ، ثم قاتل حتى قطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله ، ولم يزل بها حتى قطعت شماله ، فاحتضنها بعضديه ، فلم يزل رافعاً إياها حتى قتل ‏.‏ يقال‏ :‏ إن رومياً ضربه ضربةً قطعته نصفين ، وأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة ، يطير بهما حيث يشاء ، ولذلك سمي بجعفر الطيار ، وبجعفر ذي الجناحين ‏.‏

روى البخاري عن نافع ، أن ابن عمر أخبره‏ :‏ أنه وقف على جعفر يؤمئذ وهو قتيل ، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ، ليس منها شيء في دبره ، يعني ظهره .‏
وفي رواية أخرى قال ابن عمر ‏:‏ كنت فيهم في تلك الغزوة ، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية‏ .‏ وفي رواية العمري عن نافع زيادة ‏:‏ ‏[ ‏فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده ‏] ‏‏.‏
ولما قتل جعفر بعد أن قاتل بمثل هذه الضراوة والبسالة ، أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، وتقدم بها ، وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ، ويتردد بعض التردد ، حتى حاد حيدة ثم قال ‏:‏
أقسـمت يـا نفــس لتنــزلنـه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة
كارهــــة أو لتــطـاوعــــــنـه
مالي أراك تكرهيــن الــجنة

ثم نزل ، فأتاه ابن عم له بعَرْق من لحم فقال ‏:‏ شد بهذا صلبك ، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت ، فأخذه من يده فانتهس منه نَهْسَة ، ثم ألقاه من يده ، ثم أخذ سيفه فتقدم ، فقاتل حتى قتل ‏.‏

الراية إلى سيف من سيوف الله

وحينئذ تقدم رجل من بني عَجْلان ـ اسمه ثابت بن أقرم ـ فأخذ الراية وقال ‏:‏ يا معشر المسلمين ، اصطلحوا على رجل منكم ، قالوا ‏:‏ أنت‏ .‏ قال‏ :‏ ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ، فلما أخذ الراية قاتل قتالاً مريراً ، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد قال ‏:‏ لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية‏ .‏ وفي لفظ آخر ‏:‏ لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية ‏.‏البخاري (4266)


وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يوم مؤتة ـ مخبراً بالوحي ، قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال‏ :‏ ‏( ‏أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذ جعفر فأصيب ، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب ـ وعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ، حتى فتح الله عليهم‏ )‏ ‏.‏ البخاري (2/611)

نهاية المعركة

ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين ، كان مستغرباً جداً أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أما تيارات ذلك البحر الغطمطم من جيوش الروم‏ ،‏ ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه في تخليص المسلمين مما ورطوا أنفسهم فيه‏ .‏
واختلفت الروايات كثيراً فيما آل إليه أمر هذه المعركة أخيراً‏ .‏ ويظهر بعد النظر في جميع الروايات أن خالد بن الوليد نجح في الصمود أمام جيش الرومان طول النهار ، في أول يوم من القتال ‏.‏ وكان يشعر بمسيس الحاجة إلى مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في الانحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة‏ .‏ فقد كـان يعرف جيداً أن الإفلات من براثنهم صعب جداً لو انكشف المسلمون ، وقام الرومان بالمطاردة .‏

فلما أصبح اليوم الثاني غير أوضاع الجيش ، وعبأه من جديد ، فجعل مقدمته ساقه ، وميمنته ميسرة ، وعلى العكس ، فلما رآهم الأعداء أنكروا حالهم ، وقالوا‏ :‏ جاءهم مدد ، فرعبوا ، وصار خالد ـ بعد أن تراآى الجيشان ، وتناوشا ساعة ـ يتأخر بالمسلمين قليلاً قليلاً ، مع حفظ نظام جيشه ، ولم يتبعهم الرومان ظناً منهم أن المسلمين يخدعونهم ، ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء ‏.‏
وهكذا انحاز العدو إلى بلاده ، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين ونجح المسلمون في الانحياز سالمين ، حتى عادوا إلى المدينة ‏.

قتلى الفريقين

واستشهد يومئذ من المسلمين اثنا عشر رجلاً ، أما الرومان ، فلم يعرف عدد قتلاهم ، غير أن تفصيل المعركة يدل على كثرتهم

أثر المعركة

وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر ، الذي عانوا مرارتها لأجله ، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين ، إنها ألقت العرب كلها في الدهشة والحيرة ، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض ، وكانت العرب تظن أن معنى جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف بالظِّلْف ، فكان لقاء هذا الجيش الصغير ـ ثلاثة آلاف مقاتل ـ مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير ـ مائتا ألف مقاتل ـ ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر‏ .‏ كان كل ذلك من عجائب الدهر ، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته ، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله ، وأن صاحبهم رسول الله حقاً‏ .‏

ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام ، فأسلمت بنو سُلَيْم وأشْجَع وغَطَفَان وذُبْيَان وفَزَارَة وغيرها ‏.‏
وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان ، فكانت توطئة وتمهيداً لفتوح البلدان الرومانية ، واحتلال المسلمين الأراضي البعيدة النائية‏ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:25 pm

[right]غزوة فتح مكة
قال ابن القيم‏ :‏ هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمـين ، واستنقذ به بلــده وبيته الذي جعله هدى للعالمين ، من أيدي الكفار والمشركين ، وهو الفتح الذي استبشر بـه أهـل السمـاء، وضـربت أطناب عِزِّه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس به فــي ديــن الله أفواجـاً ، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً .


سبب الغزوة

قدمنا في وقعة الحديبية أن بنداً من بنود هذه المعاهدة يفيد أن من أحب أن يدخل في عقد محمد (صلى الله عليه وسلم) وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءاً من ذلك الفريق ، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق‏ .‏
وحسب هذا البند دخلت خُزَاعَة في عهد رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، ودخلت بنو بكر في عهد قريش ، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخر ، وقد كانت بين القبيلتين عداوة وتوترات في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام ، ووقعت هذه الهدنة ، وأمن كل فريق من الآخر ـ اغتنمها بنو بكر ، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم ، فخرج نَوْفَل بن معاوية الدِّيلي في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 هـ ، فأغاروا على خزاعة ليلاً ، وهم على ماء يقال له ‏:‏ ‏[ ‏الوَتِير ‏]‏ فأصابوا منهم رجالاً ، وتناوشوا واقتتلوا ، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر ‏:‏ يا نوفل ، إنا قد دخلنا الحرم ، إلهك إلهك ، فقال كلمة عظيمة ‏:‏ لا إله اليوم يا بني بكر ، أصيبوا ثأركم ‏.‏ فلعمري إنكم لتَسرِقُون في الحرم ، أفلا تصيبون ثأركم فيه ‏؟‏
ولما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي ، وإلى دار مولى لهم يقال له‏:‏ رافع‏ .‏
وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي ، فخرج حتى قدم على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) المدينة ، فوقف عليه ، وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال ‏:‏
يـا رب إني نـاشـد محمـداً حـلـــف أبــيــنــا وأبيه الأتـلـدا
قـد كنـتم ولداً وكنـا والـداً ثمـة أســلمنـا ولـم ننزع يـــدا
فانصر ، هداك الله ، نصر أيداً وأدع عبــــاد الله يـأتـوا مــــددا
فيهـم رسول الله ، قـد تجردا أبيض مثل البدر ، يسمو صعدا
إن سـيم خسـفاً وجهه تربدا في فيـلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشـاً أخلفـوك الموعدا ونقـضـوا ميـثـاقـــك المـؤكـــدا
وجعـلوا لي في كداء رصـدا وزعمـوا أن لست أدعــو أحــدا
وهــم أذل ، وأقــل عـددا هـــــم بـيتــونا بـالوتـــير هجدا
وقتلونا ركعاً سجداً
فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏نصرت يا عمرو بن سالم ‏) ‏، ثم عرضت له سحابة من السماء ، فقال ‏:‏ ‏( ‏إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب ‏) ‏‏.‏
ثم خرج بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي في نفر من خُزَاعَة ، حتى قدموا على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم ، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ، ثم رجعوا إلى مكة ‏.‏ أخرجه ابن هشام في (السيرة) (2/395،394) عن ابن إسحاق بلاسند، ووصله الطبراني في (الصغير) ص 222من حديث ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها بإسناد ضعيف


أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح

ولا شك أن ما فعلت قريش وحلفاؤها كان غدراً محضاً ونقضاً صريحاً للميثاق ، لم يكن له أي مبرر ، ولذلك سرعان ما أحست قريش بغدرها ، وخافت وشعرت بعواقبه الوخيمة ، فعقدت مجلساً استشارياً ، وقررت أن تبعث قائدها أبا سفيان ممثلاً لها ليقوم بتجديد الصلح ‏.‏
وقد أخبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أصحابه بما ستفعله قريش إزاء غدرتهم ‏.‏ قال :‏ ‏( ‏كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العَقْدَ ، ويزيد في المدة ‏) .‏
وخرج أبو سفيان ـ حسب ما قررته قريش ـ فلقي بديل بن ورقاء بعُسْفَان ـ وهو راجع من المدينة إلى مكة ـ فقال ‏:‏ من أين أقبلت يا بديل ‏؟‏ ـ وظن أنه أتى النبي(صلى الله عليه وسلم) ـ فقال‏ :‏ سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي ‏.‏ قال ‏:‏ أو ما جئت محمداً‏ ؟‏ قال ‏:‏ لا‏ .‏
فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان‏ :‏ لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى ، فأتى مبرك راحلته ، فأخذ من بعرها ، ففته ، فرأى فيها النوى ، فقال ‏:‏ أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً‏ .‏
وقدم أبو سفيان المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طوته عنه ، فقال ‏:‏ يا بنية ، أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني ‏؟‏ قالت‏ :‏ بل هو فراش رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وأنت رجل مشرك نجس ‏.‏ فقال ‏:‏ والله لقد أصابك بعدي شر‏.‏
ثم خرج حتى أتى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فكلمه ، فلم يرد عليه شيئاً ، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال ‏:‏ ما أنا بفاعل ‏.‏ ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال ‏:‏ أأنا أشفع لكم إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏؟‏ فو الله لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتكم به ، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب ، وعنده فاطمة ، وحسن ، غلام يدب بين يديهما ، فقال‏ :‏ يا علي ، إنك أمس القوم بي رحماً ، وإني قد جئت في حاجة ، فلا أرجعن كما جئت خائباً ، اشفع لي إلى محمد ، فقال ‏:‏ ويحك يا أبا سفيان ، لقد عزم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه‏ .‏ فالتفت إلى فاطمة ، فقال‏ :‏ هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ‏؟‏ قالت ‏:‏ والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس ، وما يجير أحد على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏ . ‏
وحيئذ أظلمت الدنيا أمام عيني أبي سفيان ، فقال لعلي بن أبي طالب في هلع وانزعاج ويأس وقنوط ‏:‏ يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، فانصحني ، قال ‏:‏ والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك ‏.‏ ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الْحَقْ بأرضك ‏.‏ قال ‏:‏ أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً‏ ؟‏ قال‏ :‏ لا والله ما أظنه ، ولكني لم أجد لك غير ذلك ‏.‏ فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال ‏:‏ أيها الناس ، إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره ، وانطلق ‏.‏
ولما قدم على قريش ، قالوا ‏:‏ ما وراءك‏ ؟‏ قال ‏:‏ جئت محمداً فكلمته ، فو الله ما رد على شيئاً ، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيراً ، ثم جئت عمر بن الخطاب ، فوجدته أدنى العدو ، ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم ، قد أشار علي بشيء صنعته ، فو الله ما أدري هل يغني عني شيئاً أم لا‏ ؟‏ قالوا ‏:‏ وبم أمرك ‏؟‏ قال ‏:‏ أمرني أن أجير بين الناس ، ففعلت ، قالوا‏ :‏ فهل أجاز ذلك محمد‏ ؟‏ قال‏ :‏ لا‏ .‏ قالوا ‏:‏ ويلك ، إن زاد الرجل على أن لعب بك ‏.‏ قال ‏:‏ لا والله ما وجدت غير ذلك ‏.


التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء

يؤخذ من رواية الطبراني
أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أمر عائشة ـ قبل أن يأتي إليه خبر نقض الميثاق بثلاثة أيام ـ أن تجهزه ، ولا يعلم أحد ، فدخل عليها أبو بكر ، فقال ‏:‏ يا بنية ، ما هذا الجهاز ‏؟‏ قالت‏ :‏ والله ما أدري ‏.‏ فقال ‏:‏ والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر ، فأين يريد رسول الله ‏؟‏ قالت ‏:‏ والله لا علم لي ، وفي صباح الثالثة جاء عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكباً ، وارتجز ‏:‏ يا رب إني ناشد محمداً‏ .‏‏.‏‏.‏ الأبيات ‏.‏ فعلم الناس بنقض الميثاق ، وبعد عمرو جاء بديل ، ثم أبو سفيان ، وتأكد عند الناس الخبر ، فأمرهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالجهاز ، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة ، وقال ‏:‏ ‏" ‏اللّهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها "‏‏.‏ ابن هشام (2/398،389) وعن ابن إسحاق بلا سند
وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) سرية قوامها ثمانية رجال ، تحت قيادة أبي قتادة بن رِبْعِي ، إلى بطن إضَم ، فيما بين ذي خَشَب وذي المروة ، على ثلاثة بُرُد من المدينة ، في أول شهر رمضان سنة 8 هـ ، ليظن الظان أنه(صلى الله عليه وسلم) يتوجه إلى تلك الناحية ، ولتذهب بذلك الأخبار ، وواصلت هذه السرية سيرها ، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) خرج إلى مكة ، فسارت إليه حتى لحقته ‏.‏
وكتب حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إليهم ، ثم أعطاه امرأة ، وجعل لها جُعْلاً على أن تبلغه قريشاً ، فجعلته في قرون رأسها ، ثم خرجت به ، وأتى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث علياً والمقداد فقال ‏:‏ ‏( ‏انطلقا حتى تأتيا رَوْضَةَ خَاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش ‏) ‏، فانطلقا تعادى بهم خيلهما حتى وجدوا المرأة بذلك المكان ، فاستنـزلاها ، وقالا ‏:‏ معك كتاب ‏؟‏ فقالت‏ :‏ ما معي كتاب ، ففتشا رحلها فلم يجدا شيئاً ‏.‏ فقال لها علي ‏:‏ أحلف بالله ، ما كذب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ولا كذبنا ، والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك ‏.‏ فلما رأت الجد منه قالت ‏:‏ أعرض ، فأعرض ، فحلت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها ، فدفعته إليهما ، فأتيا به رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فإذا فيه ‏:‏ ‏( ‏من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش‏ )‏ يخبرهم بمسير رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فدعا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حاطباً ، فقال ‏:‏ ‏( ‏ما هذا يا حطب‏ ؟ ‏‏)‏ فقال ‏:‏ لا تَعْجَلْ على يا رسول الله‏ .‏ والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، وما ارتددت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ مُلْصَقـًا في قريش ، لست من أنْفَسِهم ، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد ، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم ، وكان من معك له قرابات يحمونهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي ‏.‏ فقال عمر بن الخطاب‏ :‏ دعني يا رسول الله أضرب عنقه ، فإنه قد خان الله ورسوله ، وقد نافق ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال‏ :‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "‏، فذَرَفَتْ عينا عمر ، وقال ‏:‏ الله ورسوله أعلم ‏.‏ متفق عليه
وهكذا أخذ الله العيون ، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئهم للزحف والقتال ‏.


الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة
ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك 8 هـ ، غادر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) المدينة متجهاً إلى مكــة ، في عشرة ألاف من الصحابة رضي الله عنهم ، واستخـلف على المدينة أبا رُهْم الغفاري ‏.‏
ولما كان بالجُحْفَة ـ أو فوق ذلك ـ لقيه عمه العباس بن عبد المطلب ، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً ، ثم لما كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان ابن الحارث وابن عمته عبد الله بن أبي أمية ، فأعرض عنهما ، لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجو ، فقالت له أم سلمة ‏:‏ لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك‏ .‏ وقال علي لأبي سفيان بن الحارث ‏:‏ ائت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من قبل وجهه ، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف‏ :‏ "‏قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ‏ "‏ ‏[ ‏يوسف ‏:‏91‏ ] ‏، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولاً‏ .‏ ففعل ذلك أبو سفيان ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ "‏قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ "‏ ‏[ ‏يوسف ‏:‏92 ‏] ‏، فأنشده أبو سفيان أبياتاً منها ‏:‏
لعمرك إني حين أحـمل رايــــة لتغلب خيل اللات خيـل مـحـمـد
لكالمدلج الحيران أظلــم ليلــه فهذا أواني حين أهدى فأهتدي
هداني هاد غير نفسي ودلني على الله من طردته كل مــطــرد
فضرب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) صدره وقال ‏:‏ ‏" ‏أنتَ طَرَّدْتَنِي كل مُطَرَّد‏ "‏‏.‏ أخرجه الحاكم (3/44،43) وصححه ووافقه الذهبي

الجيش الإسلامي ينزل بمر الظهران
وواصل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) سيره وهو صائم ، والناس صيام ، حتى بلغ الكُدَيْد ـ وهو ماء بين عُسْفَان وقُدَيْد ـ فأفطر ، وأفطر الناس معه‏ .‏
ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران ـ وادي فاطمة ـ نزله عشاء ، فأمر الجيش ، فأوقدوا النيران ، فأوقدت عشرة آلاف نار ، وجعل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

أبو سفيان بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم(

وركب العباس ـ بعد نزول المسلمين بمر الظهران ـ بغلة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) البيضاء ، وخرج يلتمس ، لعله يجد بعض الحَطَّابة أو أحداً يخبر قريشاً ليخرجوا يستأمنون رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قبل أن يدخلها‏ .‏
وكان الله قد عمى الأخبار عن قريش ، فهم على وَجَلٍ وترقب ، وكان أبو سفيان يخرج يتجسس الأخبار ، فكان قد خرج هو وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار ‏.‏
قال العباس‏ :‏ والله إني لأسير عليها ـ أي على بغلة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء ، وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول ‏:‏ ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً‏ .‏ قال ‏:‏ يقول بديل ‏:‏ هذه والله خزاعة ، حَمَشَتْها الحرب ، فيقول أبو سفيان ‏:‏ خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها‏ .‏
قال العباس‏ :‏ فعرفت صوته ، فقلت ‏:‏ أبا حَنْظَلَة‏ ؟‏ فعرف صوتي ، فقال‏ :‏ أبا الفضل ‏؟‏ قلت ‏:‏ نعم ‏.‏ قال ‏:‏ مالك ‏؟‏ فداك أبي وأمي‏ .‏ قلت ‏:‏ هذا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الناس ، واصباح قريش والله‏ .‏
قال ‏:‏ فما الحيلة فداك أبي وأمي ‏؟ قلت ‏:‏ والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة ، حتى آتي بك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأستأمنه لك ، فركب خلفي ، ورجع صاحباه ‏.‏
قال ‏:‏ فجئت به ، فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين ، قالوا ‏:‏ من هذا‏ ؟‏ فإذا رأوا بغلة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأنا عليها قالوا‏ :‏ عم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على بغلته‏ .‏ حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال ‏:‏ من هذا ‏؟‏ وقام إلي ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال ‏:‏ أبو سفيان ، عدو الله‏ ؟‏ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتد نحو رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وركضتُ البغلة فسبقت ، فاقتحمت عن البغلة ، فدخلت على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ودخل عليه عمر ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه ، قال ‏:‏ قلت‏ :‏ يا رسول الله ، إني قد أجرته ، ثم جلست إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأخذت برأسه ، فقلت‏ :‏ والله لا يناجيه الليلة أحد دوني ، فلما أكثر عمر في شأنه قلت ‏:‏ مهلاً يا عمر ، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا ، قال ‏:‏ مهلاً يا عباس ، فوالله لإسلامك كان أحب إليّ من إسلام الخطاب ، لو أسلم ، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من إسلام الخطاب ‏.‏
فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به ‏" ‏، فذهبت ، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فلما رآه قال ‏:‏ ‏" ‏ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله‏ ؟‏‏ "‏ قال‏ :‏ بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ‏؟‏ لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغني عني شيئاً بعد ‏.‏
قال ‏:‏ ‏" ‏ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ‏؟ "‏، قال ‏:‏ بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ‏:‏ أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيء ‏.‏ فقال له العباس‏ :‏ ويحك أسلم ، واشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، قبل أن تضرب عنقك ، فأسلم وشهد شهادة الحق‏ .‏
قال العباس ‏:‏ يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً‏ .‏ قال ‏:‏ ‏" ‏نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ‏" ‏‏. أخرجه مسلم (1780)

الجيش الإسلامي يغادر مر الظهران إلى مكة

وفي هذا الصباح ـ صباح يوم الثلاثاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة 8 هـ ـ غادر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مر الظهران إلى مكة ، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خَطْمِ الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها ، ففعل ، فمرت القبائل على راياتها ، كلما مرت به قبيلة قال‏ :‏ يا عباس ، من هذه ‏؟‏ فيقول ـ مثلا ـ سليم ، فيقول ‏:‏ مالي ولِسُلَيْم ‏؟‏ ثم تمر به القبيلة فيقول ‏:‏ يا عباس ، من هؤلاء‏ ؟‏ فيقول ‏:‏ مُزَيْنَة ، فيقول‏ :‏ مالي ولمزينة ‏؟‏ حتى نفذت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها ، فإذا أخبره قال ‏:‏ مالي ولبني فلان‏ ؟‏ حتى مر به رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في كتيبته الخضراء ، فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحَدَق من الحديد ، قال :‏ سبحان الله ‏!‏ يا عباس ، من هؤلاء‏ ؟‏ قال ‏:‏ هذا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في المهاجرين والأنصار ، قال ‏:‏ ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة‏ .‏ ثم قال ‏:‏ والله يا أبا الفضل ، لقد أصبح مُلْكُ ابن أخيك اليوم عظيماً‏ .‏ قال العباس ‏:‏ يا أبا سفيان ، إنها النبوة ، قال‏ :‏ فنعم إذن ‏.‏
وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة ، فلما مر بأبي سفيان قال له ‏:‏ اليوم يوم الملحمة ، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمَة ، اليـوم أذل الله قـريشاً ‏.‏ فلما حـاذى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أبا سفيان قال ‏:‏ يا رسول الله ، ألم تسمع ما قال سعد ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏وما قال‏ ؟ ‏‏)‏ فقال ‏:‏ قال كذا وكذا ‏.‏ فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف ‏:‏ يا رسول الله ، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏" ‏بل اليوم يوم تُعَظَّم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً‏ "‏ البخاري (4280) من حديث هشام بن عروة عن أبيه مرسلا ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء ، ودفعه إلى ابنه قيس ، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد ‏.‏ وقيل ‏:‏ بل دفعه إلى الزبير‏ .‏

قريش تباغت زحف الجيش الإسلامي

ولما مر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بأبي سفيان ومضى قال له العباس ‏:‏ النجاء إلى قومك ‏.‏ فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة ، وصرخ بأعلى صوته‏ :‏ يا معشر قريش ، هذا محمد ، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ‏.‏ فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ‏.‏ فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت ‏:‏ اقتلوا الحَمِيت الدسم الأخمش الساقين ، قُبِّحَ من طَلِيعَة قوم ‏.‏
قال أبو سفيان‏ :‏ ويلكم ، لا تغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ‏.‏ قالوا‏ :‏ قاتلك الله ، وما تغني عنا دارك ‏؟‏ قال ‏:‏ ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ‏.‏ فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد ، وبثوا أوباشاً لهم ، وقالوا ‏:‏ نقدم هؤلاء ، فإن كان لقريش شيء كنا معهم ، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا‏ .‏ فتجمع سفهاء قريش وأخِفَّاؤها مع عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وسهيل بن عمرو بالخَنْدَمَة ليقاتلوا المسلمين ‏.‏ وكان فيهم رجل من بني بكر ـ حِمَاس بن قيس ـ كان يعد قبل ذلك سلاحاً ، فقالت له امرأته ‏:‏ لماذا تعد ما أرى ‏؟‏ قال ‏:‏ لمحمد وأصحابه ‏.‏ قالت ‏:‏ والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء ‏.‏ قال ‏:‏ إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم ، ثم قال ‏:
إن يقبلوا اليوم فمالي عِلَّه هــذا ســلاح كامــل وألَّه
وذو غِرَارَيْن سريع السَّلَّة
فكان هذا الرجل فيمن اجتمعوا في الخندمة ‏.‏

الجيش الإسلامي بذي طوى

أما رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فمضى حتى انتهى إلى ذي طوي ـ وكان يضع رأسه تواضعاً لله حين رأي ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى أن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل ـ وهناك وزع جيشه ، وكان خالد بن الوليد على المُجَنَّبَةِ اليمنى ـ وفيها أسْلَمُ وسُلَيْم وغِفَار ومُزَيْنَة وجُهَيْنَة وقبائل من قبائل العرب ـ فأمره أن يدخل مكة من أسفلها ، وقال ‏:‏ ‏" ‏إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً ، حتى توافوني على الصفا "‏‏.‏ أخرجه بمعناه مسلم (1780)
وكان الزبير بن العوام على المُجَنَّبَةِ اليسرى ، وكان معه راية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فأمره أن يدخل مكة من أعلاها ـ من كَدَاء ـ وأن يغرز رايته بالحَجُون ، ولا يبرح حتى يأتيه ‏.‏
وكان أبو عبيدة على الرجالة والحُسَّر ـ وهم الذيم لا سلاح معهم ـ فأمره أن يأخذ بطن الوادي حتى ينصب لمكة بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏
[/right]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:27 pm






غزوة حنين

إن فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة شَدَهَ لها العرب ، وبوغتت القبائل المجاورة بالأمر الواقع ، الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه ، ولذلك لم تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة ، وفي مقدمتها بطون هوازن وثقيف ، واجتمعت إليها نَصْرٌ وجُشَمٌ وسعد بن بكر وناس من بني هلال ـ وكلها من قيس عَيْلان ـ رأت هذه البطون من نفسها عزاً وأنَفَةً أن تقابل هذا الانتصار بالخضوع ، فاجتمعت إلى مالك ابن عوف النَّصْري ، وقررت المسير إلى حـرب المسلمين‏ .‏


مسير العدو ونزوله بأوطاس


ولما أجمع القائد العام ـ مالك بن عوف ـ المسير إلى حرب المسلمين ، ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ، فسار حتى نزل بأوْطَاس ـ وهو واد في دار هَوَازِن بالقرب من حُنَيْن ، لكن وادي أوطاس غير وادي حنين ، وحنين واد إلى جنب ذي المجَاز ، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات‏ .‏




مجرب الحروب يغلط رأي القائد




ولما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس ، وفيهم دُرَيْدُ بن الصِّمَّةِ ـ وهو شيخ كبير ، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب وكان شجاعاً مجرباً ـ قال دريد‏ :‏ بأي واد أنتم ‏؟‏ قالوا ‏:‏ بأوطاس ، قال ‏:‏ نعم مَجَالُ الخيل ، لا حَزْنٌ ضَرسٌ ، ولا سَهْلٌ دَهِس ، مالي أسمع رُغَاء البعير ، ونُهَاق الحمير ، وبُكَاء الصبي ، وثُغَاء الشاء ‏؟‏ قالوا‏ :‏ ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم ، فدعا مالكاً وسأله عما حمله على ذلك ، فقال‏ :‏ أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم ، فقال ‏:‏ راعي ضأن واللّه ، وهل يرد المنهزم شيء ‏؟‏ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فُضِحْتَ في أهلك ومالك ، ثم سأل عن بعض البطون والرؤساء ، ثم قال ‏:‏ يا مالك ، إنك لم تصنع بتقديم بَيْضَة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً ، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ، ثم الْقَ الصُّبَاة على متون الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزتَ أهلك ومالك ‏.‏

ولكن مالكاً ـ القائد العام ـ رفض هذا الطلب قائلاً‏ :‏ واللّه لا أفعل ، إنك قد كبرت وكبر عقلك ، واللّه لتطيعني هوازن أو لأتَّكِئَنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري ، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي ، فقالوا‏ :‏ أطعناك ‏.‏ فقال دريد ‏:‏ هذا يوم لم أشهده ولم يَفُتْنِي‏ :‏


يا ليتنـي فيها جـَذَعْ
أقود وطْفَاءَ الزَّمَــعْ


أخُبُّ فيهـا وأضَعْ
كأنها شـاة صَدَعْ







سلام استكشاف العدو


وجاءت إلى مالك عيون كان قد بعثهم للاستكشاف عن المسلمين ، جاءت هذه العيون وقد تفرقت أوصالهم ، قال‏ :‏ ويلكم ، ما شأنكم ‏؟‏ قالوا ‏:‏ رأينا رجالاً بيضا على خيل بُلْق ، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى ‏.‏


سلاح استكشاف رسول الله (صلى الله عليه وسلم)


ونقلت الأخبار إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بمسير العدو ، فبعث أبا حَدْرَد الأسلمي ، وأمره أن يدخل في الناس ، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم ، ففعل ‏.‏






الرسول(صلى الله عليه وسلم) يغادر مكة إلى حنين



وفي يوم السبت ـ السادس من شهر شوال سنة 8 هـ ـ غادر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) مكة ـ وكان ذلك اليوم التاسع عشر من يوم دخوله في مكة ـ خرج في اثني عشر ألفاً من المسلمين ، عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة ، وألفان من أهل مكة‏ ،‏ وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها ، واستعمل على مكة عَتَّاب بن أسيد ‏.‏

ولما كان عشية جاء فارس ، فقال ‏:‏ إني طلعت جبل كذا وكذا ، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بِظُعُنِهم ونَعَمِهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين ، فتبسم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) وقال ‏:‏ ‏( ‏تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء اللّه ‏) ‏، وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مَرْثَد الغَنَوي ‏.‏

وفي طريقهم إلى حنين رأوا سِدْرَة عظيمة خضراء يقال لها‏ :‏ ذات أنْوَاط ، كانت العرب تعلق عليها أسلحتهم ، ويذبحون عندها ويعكفون ، فقال بعض أهل الجيش لرسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ اجعل لنا ذات أنواط ، كما لهم ذات أنواط ‏.‏ فقال‏:‏ ‏( ‏اللّه أكبر ، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى ‏:‏ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، قال‏ :‏ إنكم قوم تجهلون ، إنها السَّنَنُ ، لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم ‏) ‏‏.‏

وقد كان بعضهم قال نظراً إلى كثرة الجيش ‏:‏ لن نُغْلَبَ اليوم ، وكان قد شق ذلك على رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏ .




الجيش الإسلامي يباغت بالرماة والمهاجمين


انتهى الجيش الإسلامي إلى حنين ، الليلة التي بين الثلاثاء والأربعاء لعشر خلون من شوال ، وكان مالك بن عوف قد سبقهم ، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي ، وفرق كُمَنَاءه في الطرق والمداخل والشعاب والأخباء والمضايق ، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا ، ثم يشدوا شدة رجل واحد ‏.‏

وبالسَّحَر عبأ رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) جيشه ، وعقد الألوية والرايات ، وفرقها على الناس ، وفي عَمَاية الصبح استقبل المسلمون وادي حنين ، وشرعوا ينحدرون فيه ، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي ، فبينا هم ينحطون إذا تمطر عليهم النبال ، وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد ، فانشمر المسلمون راجعين ، لا يلوي أحد على أحد ، وكانت هزيمة منكرة ، حتى قال أبو سفيان بن حرب ، وهو حديث عهد بالإسلام ‏:‏ لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ـ الأحمر ـ وصرخ جَبَلَةُ أو كَلَدَةُ بن الحَنْبَل ‏:‏ ألا بطل السِّحْر اليوم‏ .‏

وانحاز رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) جهة اليمين وهو يقول ‏:‏ ‏(‏ هَلُمُّوا إلى أيها الناس ، أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد اللّه‏)‏ ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين والأنصار ‏.‏ تسعة على قول ابن إسحاق ، واثنا عشر على قول النووي ، والصحيح ما رواه أحمد والحاكم في المستدرك من حديث ابن مسعود ، قال ‏:‏ كنت مع النبي(صلى الله عليه وسلم) يوم حنين ، فولي عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار ، فكنا على أقدامنا ولم نُوَلِّهم الدُّبُر ، وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال ‏:‏ لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين ، وما مع رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) مائة رجل ‏.‏

وحينئذ ظهرت شجاعة النبي(صلى الله عليه وسلم) التي لا نظير لها ، فقد طفق يركض بغلته قبل الكفار وهو يقول‏ :‏


أنــا النبي لا كَذِبْ


أنا ابن عبد المطلب‏


بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته ، والعباس بركابه ، يكفانها ألا تسرع ، ثم نزل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) فاستنصر ربه قائلاً‏ :‏ ‏( ‏اللّهم أنزل نصرك ‏) ‏‏.‏






رجوع المسلمين واحتدام المعركة


وأمر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) عمه العباس ـ وكان جَهِيَر الصوت ـ أن ينادي الصحابة ، قال العباس ‏:‏ فقلت بأعلى صوتي ‏:‏ أين أصحاب السَّمُرَة‏ ؟‏ قال ‏:‏ فو الله لكأن عَطْفَتَهُم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها ، فقالوا ‏:‏ يا لبيك ، يا لبيك‏ .‏ ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه ، فيأخذ درعه ، فيقذفها في عنقه ، ويأخذ سيفه وترسه ، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا‏ .‏

وصرفت الدعوة إلى الأنصار ‏:‏ يا معشر الأنصار ، يا معشر الأنصار ، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج ، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة ، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة ، ونظر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) إلى ساحة القتال ، وقد استحر واحتدم ، فقال ‏:‏ ‏( ‏الآن حَمِي الوَطِيسُ‏ )‏ ‏.‏ ثم أخذ رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) قبضة من تراب الأرض ، فرمى بها في وجوه القوم وقال‏ :‏ ‏( ‏شاهت الوجوه ‏) ‏، فما خلق اللّه إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً من تلك القبضة ، فلم يزل حَدُّهُم كَلِيلاً وأمرهم مُدْبِرًا‏ .‏




انكسار حدة العدو وهزيمته الساحقة


وما هي إلا ساعات قلائل ـ بعد رمي القبضة ـ حتى انهزم العدو هزيمة منكرة ، وقتل من ثَقِيف وحدهم نحو السبعين ، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاح وظُعُن‏ .‏

وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله ‏:‏ "‏وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ‏ "‏ ‏[ ‏التوبة ‏:‏25 ، 26 ‏]‏




حركة المطاردة


ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف ، وطائفة إلى نَخْلَة ، وطائفة إلى أوْطاس ، فأرسل النبي(صلى الله عليه وسلم) إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري ، فَتَنَاوَشَ الفريقان القتال قليلاً ، ثم انهزم جيش المشركين ، وفي هذه المناوشة قتل القائد أبو عامر الأشعري ‏.‏

وطاردت طائفة أخري من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة ، فأدركت دُرَيْدَ بن الصِّمَّة فقتله ربيعة بن رُفَيْع‏ .‏

وأما معظم فلول المشركين الذين لجأوا إلى الطائف ، فتوجه إليهم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بنفسه بعد أن جمع الغنائم ‏.‏



الغنائم


وكانت الغنائم ‏:‏ السبي ستة آلاف رأس ، والإبل أربعة وعشرون ألفاً ، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية فضة ، أمر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بجمعها ، ثم حبسها بالجِعْرَانَة ، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري ، ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف‏ .‏

وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية ، أخت رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) من الرضاعة ، فلما جيء بها إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عرفت له نفسها ، فعرفها بعلامة فأكرمها ، وبسط لها رداءه ، وأجلسها عليه ، ثم منّ عليها ، وردّها إلى قومها ‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:30 pm







غزوة الطائف




وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين ، وذلك أن معظم فلول هَوَازن وثَقِيف دخلوا الطائف مع القائد العام ـ مالك بن عوف النَّصْرِي ـ وتحصنوا بها ، فسار إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم بالجعرانة ، في الشهر نفسه ـ شوال سنة 8 هـ ‏.‏

وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل ، ثم سلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الطائف ، فمر في طريقه على نخلة اليمانية ، ثم على قَرْنِ المنازل ، ثم على لِيَّةَ ، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه ، ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف فنزل قريباً من حصنه ، وعسكر هناك ، وفرض الحصار على أهل الحصن ‏.‏

ودام الحصار مدة غير قليلة ، ففي رواية أنس عند مسلم‏ :‏ أن مدة حصارهم كانت أربعين يوماً ، وعند أهل السير خلاف في ذلك ، فقيل ‏:‏ عشرين يوماً ، وقيل‏ :‏ بضعة عشر ، وقيل ‏:‏ ثمانية عشر ، وقيل ‏:‏ خمسة عشر‏ .‏

ووقعت في هذه المدة مراماة ، ومقاذفات ، فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رمياً شديداً ، كأنه رِجْل جراد ، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة ، وقتل منهم اثنا عشر رجلاً ، واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك‏ .‏

ونصب النبي (صلى الله عليه وسلم) المنجنيق على أهل الطائف ، وقذف به القذائف ، حتى وقعت شدخة في جدار الحصن ، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة ،‏ ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه ، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد محماة بالنار ،‏ فخرجوا من تحتها ، فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجالاً ‏.‏

وأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ـ كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام ـ أمر بقطع الأعناب وتحريقها ، فقطعها المسلمون قطعاً ذريعاً ، فسألته ثقيف أن يدعها للّه والرحم ، فتركها للّه والرحم ‏.‏

ونادى مناديه (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر ، فخرج إليهم ثلاثة وعشرون رجلاً ، فيهم أبو بكرة ـ تسور حصن الطائف ، وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقى عليها ، فكناه رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏[ ‏أبا بكرة ‏]‏ ـ فأعتقهم رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة‏ .‏

ولما طال الحصار واستعصيى الحصن ، وأصيب المسلمون بما أصيب من رشق النبال وبسكك الحديد المحماة ـ وكان أهل الحصن قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة ـ استشار رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) نَوْفَل بن معاوية الدِّيلي فقال ‏:‏ هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك ، وحينئذ عزم رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) على رفع الحصار والرحيل ، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس ، إنا قافلون غداً إن شاء اللّه ، فثقل عليهم وقالوا‏ :‏ نذهب ولا نفتحه ‏؟‏ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏( ‏اغدوا على القتال ‏) ‏، فغدوا فأصابهم جراح ، فقال ‏:‏ ‏( ‏إنا قافلون غداً إن شاء اللّه ‏)‏ فسروا بذلك وأذعنوا ، وجعلوا يرحلون ، ورسول اللّه يضحك‏ .‏

ولما ارتحلوا واستقلوا قال ‏:‏ قولوا ‏:‏ ‏( ‏آيبون تائبون عابدون ، لربنا حامدون‏ ) ‏‏.‏

وقيل ‏:‏ يا رسول اللّه ، ادع على ثقيف ، فقال‏ :‏ ‏( ‏اللّهم اهد ثقيفاً ، وائت بهم ‏) ‏‏.‏





غزوة الطائف - قسمة الغنائم بالجعرانة




ولما عاد رسول اللْه (صلى الله عليه وسلم) بعد رفع الحصار عن الطائف مكث بالجعرانة بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم ، ويتأنى بها ، يبتغي أن يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيحرزوا ما فقدوا ، ولكنه لم يجئه أحد، فبدأ بقسمة المال ، ليسكت المتطلعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة ، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطي وحظي بالأنصبة الجزلة‏.‏

وأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل ، فقال ‏:‏ ابني يزيد ‏؟‏ فأعطاه مثلها ، فقال ‏:‏ ابني معاوية‏ ؟‏ فأعطاه مثلها ، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ، ثم سأله مائة أخرى ، فأعطاه إياها‏ .‏ وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل ، ثم مائة ثم مائة ـ كذا في الشفاء ـ وأعطى الحارث بن الحارث بن كَلَدَة مائة من الإبل ، وكذلك أعطى رجالاً من رؤساء قريش وغيرها مائة مائة من الإبل وأعطى آخرين خمسين خمسين وأربعين أربعين ، حتى شاع في الناس أن محمداً يعطي عطاءً ، ما يخاف الفقر ، فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة ، فانتزعت رداءه فقال‏ :‏ ‏( ‏أيها الناس ، ردوا علي ردائي ، فو الذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً ‏) ‏‏.‏

ثم قام إلى جنب بعيره فأخذ من سنامه وبرة ، فجعلها بين إصبعه ، ثم رفعها ، فقال ‏:‏ ‏( ‏أيها الناس ، واللّه مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم‏ ) ‏‏.‏

كانت هذه القسمة مبنية على سياسة حكيمة ، فإن في الدنيا أقواماً كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم ، لا من عقولهم ، فكما تهدي الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظل تمد إليها فمها حتى تدخل حظيرتها آمنة ، فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهش له .

وبعد إعطاء المؤلفة قلوبهم أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) زيد بن ثابت بإحضار الغنائم والناس ، ثم فرضها على الناس ، فكانت سهامهم لكل رجل إما أربعاً من الإبل، وإما أربعين شاة ، فإن كان فارساً أخذ اثني عشر بعيراً أو عشرين ومائة شاة ‏.‏





الأنصار تجد على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)




وهذه السياسة لم تفهم أول الأمر ، فأطلقت ألسنة شتى بالاعتراض ، وكان الأنصار ممن وقعت

عليهم مغارم هذه السياسة ، لقد حرموا جميعاً أعطية حنين ، وهم الذين نودوا في وقت الشدة فطاروا يقاتلون مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) حتى تبدل الفرار انتصاراً ، وهاهم أولاء يرون أيدي الفارين ملأى ، وأما هم فلم يمنحوا شيئاً قط .

روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال ‏:‏ لما أعطى رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شيء ، وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القَالَةُ ، حتى قال قائلهم‏ :‏ لقي واللّه رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) قومه ، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال ‏:‏ يا رسول اللّه ، إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء‏ . ‏قال ‏:‏ ‏( ‏فأين أنت من ذلك يا سعد ‏؟ ‏‏)‏ قال ‏:‏ يا رسول اللّه ، ما أنا إلا من قومي‏ .‏ قال ‏:‏ ‏( ‏فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة‏ )‏‏ .‏ فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا‏.‏ وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال ‏:‏ لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، فأتاهم رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال ‏:‏ ‏" ‏يا معشر الأنصار ، مقَالَهٌ بلغتني عنكم ، وَجِدَةٌ وجدتموها عليّ في أنفسكم‏ ؟‏ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه‏ ؟‏ وعالة فأغناكم اللّه‏ ؟‏ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ‏؟ "‏ قالـوا‏ :‏ بلى ، اللّه ورسولـه أمَنُّ وأفْضَلُ ‏.‏

ثم قال ‏:‏ ‏" ‏ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ "‏ قالوا‏ :‏ بماذا نجيبك يا رسول اللّه‏ ؟‏ للّه ورسوله المن والفضل ‏.‏ قال‏ :‏ ‏" ‏أما واللّه لو شئتم لقلتم ، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ ‏:‏ أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فآسَيْنَاك .‏

‏ ‏أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدنيا تَألفَّتُ بها قوماً ليُسْلِمُوا ، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم ‏؟‏ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) إلى رحالكم‏ ؟‏ فو الذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شِعْبًا ، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ، اللّهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار‏ "‏‏ .‏

فبكى القوم حتى أخْضَلُوا لِحَاهُم وقالوا‏ :‏ رضينا برسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) قَسْمًا وحظاً ، ثم انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ، وتفرقوا‏ .‏


غزوة الطائف - قدوم وفد هوازن




وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلماً ، وهم أربعة عشر رجلاً ورأسهم زهير ابن صُرَد ، وفيهم أبو بُرْقَان عم رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) من الرضاعة ، فسألوه أن يمن عليهم بالسبي والأموال ، وأدلوا إليه بكلام ترق له القلوب ، فقال ‏:‏ ‏( ‏إن معي من ترون ، وإن أحب الحديث إليّ أصدقه ، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم ‏؟ ‏‏)‏ قالوا‏ :‏ ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً ‏.‏ فقال ‏:‏ ‏( ‏إذا صليت الغداة ـ أي صلاة الظهر ـ فقوموا فقولوا ‏:‏ إنا نستشفع برسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) إلى المؤمنين ، ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) أن يرد إلينا سبينا ‏) ‏، فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك ‏.‏ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، وسأسأل لكم الناس‏ ) ‏، فقال المهاجرون والأنصار ‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏.‏ فقال الأقْرَع بن حابس ‏:‏ أما أنا وبنو تميم فلا ‏.‏ وقال عُيَيْنَة بن حِصْن ‏:‏ أما أنا وبنو فَزَارَة فلا‏ .‏ وقال العباس بن مِرْدَاس ‏:‏ أما أنا وبنو سُلَيْم فلا ‏.‏ فقالت بنو سليم ‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) .‏ فقال العباس بن مرداس ‏:‏ وهنتموني ‏.‏

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏إن هؤلاء القوم قد جاءوا مسلمين ، وقد كنت استأنيت سَبْيَهُمْ ، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً ، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ذلك ، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم ، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء اللّه علينا‏ )‏ ، فقال الناس ‏:‏ قد طيبنا لرسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏.‏ فقال ‏:‏ ‏(‏ إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عُرَفَاؤكم أمركم ‏) ‏، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم ، لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن ، فإنه أبي أن يرد عجوزاً صارت في يديه منهم ، ثم ردها بعد ذلك ، وكسا رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) السبي قبطية قبطية ‏.‏


غزوة الطائف - العمرة والانصراف إلى المدينة




ولما فرغ رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) من قسمة الغنائم في الجِعْرَانة أهلَّ معتمراً منها، فأدي العمرة، وانصرف بعد ذلك راجعاً إلى المدينة بعد أن ولي على مكة عَتَّاب بن أسيد، وكان رجوعه إلى المدينة ودخوله فيها لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة 8 هـ‏ ‏.‏

قال محمد الغزالي : لله ما أفسح المدى الذي بين هذه الآونة الظافرة بعد أن توج الله هامته بالفتح المبين ، وبين مقدمه إلى هذا البلد النبيل منذ ثمانية أعوام .

لقد جاء مطارداً يبغي الأمان ، غريباً مستوحشاً ينشد الإيلاف والإيناس ، فأكرم أهله مثواه ، وآووه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، واستخفوا بعداوة الناس جميعاً من أجله ، وهاهو ذا بعد ثمانية أعوام يدخل المدينة المنورة التي استقبلته مهاجراً خائفاً ، لتستقبله مرة أخرى وقد دانت له مكة ، وألقت تحت قدميه كبرياءها وجاهليتها فأنهضها ، ليعزها بالإسلام وعفا عن خطيئاتها الأولى "إنه من يتقِ ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:31 pm







غزوة تبوك ( في رجب سنة 9 هـ (



إن غزوة فتح مكة كانت غزوة فاصلة بين الحق والباطل ، لم يبق بعدها مجال للريبة والظن في رسالة محمد(صلى الله عليه وسلم) عند العرب ، ولذلك انقلب المجرى تماماً ، ودخل الناس في دين اللّه أفواجاً ـ كما سيظهر ذلك مما نقدمه في فصل الوفود ، ومن العدد الذي حضر في حجة الوداع ـ وانتهت المتاعب الداخلية ، واستراح المسلمون لتعليم شرائع الله ، وبث دعوة الإسلام ‏.‏


سبب الغزوة



إلا أنه كانت هناك قوة تعرضت للمسلمين من غير مبرر ، وهي قوة الرومان ـ أكبر قوة عسكرية ظهرت على وجه الأرض في ذلك الزمان ـ وقد عرفنا فيما تقدم أن بداية هذا التعرض كانت بقتل سفير رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ـ الحارث بن عمير الأزدي ـ على يدي شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني ، حينما كان السفير يحمل رسالة النبي(صلى الله عليه وسلم) إلى عظيم بُصْرَي، وأن النبي(صلى الله عليه وسلم) أرسل بعد ذلك سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت بالرومان اصطداماً عنيفاً في مؤتة ، ولم تنجح في أخذ الثأر من أولئك الظالمين المتغطرسين ، إلا أنها تركت أروع أثر في نفوس العرب ، قريبهم وبعيدهم ‏.‏

ولم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الأثر الكبير لصالح المسلمين ، وعما كان يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقلالهم عن قيصر ، ومواطأتهم للمسلمين ، إن هذا كان خطراً يتقدم ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة ، ويهدد الثغور الشامية التي تجاور العرب ، فكان يرى أن القضاء يجب على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم لا يمكن القضاء عليها ، وقبل أن تثير القلاقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان ‏.‏

ونظراً إلى هذه المصالح ، لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة حتى أخذ يهيئ الجيش مـن الرومـان والعرب التابعة لهم من آل غسان وغيرهم ، وبدأ يجهز لمعركة دامية فاصلة‏ .‏


الأخبار العامة عن استعداد الرومان وغسان



وكانت الأنباء تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان ، للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين ، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين ، لا يسمعون صوتاً غير معتاد إلا ويظنونه زحف الرومان ، ‏ويظهر ذلك جلياً مما وقع لعمر بن الخطاب ، فقد كان النبي(صلى الله عليه وسلم) آلى من نسائه شهراً في هذه السنة ( 9هـ ) وكان هجرهن واعتزل عنهن في مشربة له ، ولم يفطن الصحابة إلى حقيقة الأمر في بدايته ، فظنوا أن النبي(صلى الله عليه وسلم) طلقهن ، فسرى فيهم الهم والحزن والقلق‏ ،‏ يقول عمر بن الخطاب ـ وهو يروي هذه القصة ‏:‏ وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر ، وإذا غاب كنت آتية أنا بالخبر ـ وكانا يسكنان في عوالي المدينة ، يتناوبان إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ـ ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا ، فقد امتلأت صدورنا منه ، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب ، فقال ‏:‏ افتح ، افتح ، فقلت ‏:‏ جاء الغساني ‏؟‏ فقال ‏:‏ بل أشد من ذلك ، اعتزل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) أزواجه ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث ‏.‏

وفي لفظ آخر ( أنه قال )‏ :‏ وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا ، فنزل صاحبي يوم نَوْبَتِهِ ، فرجع عشاء ، فضرب بابي ضرباً شديداً وقال ‏:‏ أنائم هو ‏؟‏ ففزعت ، فخرجت إليه ، وقال‏ :‏ حدث أمر عظيم ‏.‏ فقلت‏ :‏ ما هو ‏؟‏ أجاءت غسان ‏؟‏ قال‏ :‏ لا بل أعظم منه وأطول ، طلق رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) نساءه ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏ .‏

وهذا يدل على خطورة الموقف ، الذي كان يواجهه المسلمون بالنسبة إلى الرومان ، ويزيد ذلك تأكداً ما فعله المنافقون حينما نقلت إلى المدينة أخبار إعداد الرومان ، فبرغم ما رآه هؤلاء المنافقون من نجاح رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) في كل الميادين ، وأنه لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض ، بل يذيب كل ما يعترض في طريقه من عوائق ـ برغم هذا كله ـ طفق هؤلاء المنافقون يأملون في تحقق ما كانوا يخفونه في صدورهم ، وما كانوا يتربصونه من الشر بالإسلام وأهله ‏.‏ ونظراً إلى قرب تحقق آمالهم أنشأوا وكرة للدس والتآمر ، في صورة مسجد ، وهو مسجد الضِّرَار ، أسسوه كفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله ، وعرضوا على رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) أن يصلي فيه ، وإنما مرامهم بذلك أن يخدعوا المؤمنين فلا يفطنوا ما يؤتى به في هذا المسجد من الدس والمؤامرة ضدهم ، ولا يلتفتوا إلى من يرده ويصدر عنه ، فيصير وكرة مأمونة لهؤلاء المنافقين ولرفقائهم في الخارج ، ولكن رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) أخر الصلاة فيه ـ إلى قفوله من الغزوة ـ لشغله بالجهاز ، ففشلوا في مرامهم وفضحهم اللّه ، حتى قام الرسول(صلى الله عليه وسلم) بهدم المسجد بعد القفول من الغزو ، بدل أن يصلي فيه ‏.


الأخبار الخاصة عن استعداد الرومان وغسان



كانت هذه هي الأحوال والأخبار التي يواجهها ويتلقاها المسلمون ، إذ بلغهم من الأنباط الذين قدموا بالزيت من الشام إلى المدينة أن هرقل قد هيأ جيشاً عرمرماً قوامه أربعون ألف مقاتل ، وأعطى قيادته لعظيم من عظماء الروم ، وأنه أجلب معهم قبائل لَخْمٍ وجُذَامٍ وغيرهما من متنصرة العرب ، وأن مقدمتهم بلغت إلى البلقاء ، وبذلك تمثل أمام المسلمين خطر كبير ‏.‏


زيادة خطورة الموقف



والذي كان يزيد خطورة الموقف أن الزمان كان فصل القيظ الشديد ، وكان الناس في عسرة وجدب من البلاء وقلة من الظهر ، وكانت الثمار قد طابت ، فكانوا يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم فيه ، ومع هذا كله كانت المسافة بعيدة ، والطريق وعرة صعبة ‏.‏

الرسول(صلى الله عليه وسلم) يقرر القيام بإقدام حاسم



ولكن الرسول(صلى الله عليه وسلم) كان ينظر إلى الظروف والتطورات بنظر أدق وأحكم من هذا كله ، إنه كان يرى أنه لو توانى وتكاسل عن غزو الرومان في هذه الظروف الحاسمة ، وترك الرومان لتجوس خلال المناطق التي كانت تحت سيطرة الإسلام ونفوذه ، وتزحف إلى المدينة كان له أسوأ أثر على الدعوة الإسلامية وعلى سمعة المسلمين العسكرية ، فالجاهلية التي تلفظ نفسها الأخير بعد ما لقيت من الضربة القاصمة في حنين ستحيا مرة أخرى ، والمنافقون الذين يتربصون الدوائر بالمسلمين ، ويتصلون بملك الرومان بواسطة أبي عامر الفاسق سيبعجون بطون المسلمين بخناجرهم من الخلف ، في حين تهجم الرومان بحملة ضارية ضد المسلمين من الأمام ، وهكذا يخفق كثير من الجهود التي بذلها هو أصحابه في نشر الإسلام ، وتذهب المكاسب التي حصلوا عليها بعد حروب دامية ودوريات عسكرية متتابعة متواصلة ‏،‏ تذهب هذه المكاسب بغير جدوى ‏.‏

كان رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) يعرف كل ذلك جيداً ، ولذلك قرر القيام ـ مع ما كان فيه من العسرة والشدة ـ بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم ، ولا يمهلونهم حتى يزحفوا إلى دار الإسلام‏ .

الإعلان بالتهيؤ لقتال الروم



ولما قرر الرسول(صلى الله عليه وسلم) الموقف أعلن في الصحابة أن يتجهزوا للقتال ، وبعث إلى القبائل من العرب وإلى أهل مكة يستنفرهم ،‏ وكان قل ما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّي بغيرها ، ولكنه نظراً إلى خطورة الموقف وإلى شدة العسرة أعلن أنه يريد لقاء الرومان ، وجلى للناس أمرهم ، ليتأهبوا أهبة كاملة ، وحضهم على الجهاد ، ونزلت قطعة من سورة براءة تثيرهم على الجلاد ، وتحثهم على القتال ، ورغبهم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) في بذل الصدقات ، وإنفاق كرائم الأموال في سبيل اللّه‏ .

المسلمون يتسابقون إلى التجهز للعدو



ولم يكن من المسلمين أن سمعوا صوت رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) يدعو إلى قتال الروم إلا وتسابقوا إلى امتثاله ، فقاموا يتجهزون للقتال بسرعة بالغة ، وأخذت القبائل والبطون تهبط إلى المدينة من كل صوب وناحية ، ولم يرض أحد من المسلمين أن يتخلف عن هذه الغزوة ـ إلا الذين في قلوبهم مرض وإلا ثلاثة نفر ـ حتى كان يجيء أهل الحاجة والفاقة يستحملون رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ، ليخرجوا إلى قتال الروم ، فإذا قال لهم ‏:‏ ‏" لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ‏ "‏ ‏[ ‏التوبة ‏: ‏92 ‏] ‏‏.‏

كما تسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات ، كان عثمان بن عفان قد جهز عيراً للشام ، مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ، ومائتا أوقية ، فتصدق بها ، ثم تصدق بمائة بعير بأحلاسها وأقتابها ، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجره(صلى الله عليه وسلم) ، فكان رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) يقلبها ويقول‏ :‏ ‏(‏ ما ضَرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم ‏)‏ ، ثم تصدق وتصدق حتى بلغ مقدار صدقته تسعمائة بعير ومائة فرس سوى النقود‏ .‏

وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة ، وجاء أبو بكر بماله كلّه ولم يترك لأهله إلا اللّه ورسوله ـ وكانت أربعة آلاف درهم ـ وهو أول من جاء بصدقته ‏.‏ وجاء عمر بنصف ماله ، وجاء العباس بمال كثير ، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة ، كلهم جاءوا بمال‏ .‏ وجاء عاصم بن عدي بتسعين وَسْقًا من التمر ، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها ، حتى كان منهم من أنفق مُدّا أو مدين لم يكن يستطيع غيرها ‏.‏ وبعثت النساء ما قدرن عليه من مَسَك ومعاضد وخلاخل وقُرْط وخواتم ‏.‏

ولم يمسك أحد يده، ولم يبخل بماله إلا المنافقون " ‏الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ‏ "‏‏[ ‏التوبة ‏:‏ 79 ‏] ‏‏.‏


الجيش الإسلامي إلى تبوك



وهكذا تجهز الجيش ، فاستعمل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقيل‏ :‏ سِبَاع بن عُرْفُطَةَ ، وخلف على أهله علي بن أبي طالب ، وأمره بالإقامة فيهم ، وغَمَصَ عليه المنافقون ، فخرج فلحق برسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فرده إلى المدينة وقال ‏:‏ " ‏ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي‏ "‏‏.‏

وتحرك رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) يوم الخميس نحو الشمال يريد تبوك ، ولكن الجيش كان كبيراً ـ ثلاثون ألف مقاتل ، لم يخرج المسلمون في مثل هذا الجمع الكبير قبله قط ـ فلم يستطع المسلمون مع ما بذلوه من الأموال أن يجهزوه تجهيزاً كاملاً ، بل كانت في الجيش قلة شديدة بالنسبة إلى الزاد والمراكب ، فكان ثمانية عشر رجلاً يعتقبون بعيراً واحداً ، وربما أكلوا أوراق الأشجار حتى تورمت شفاههم ، واضطروا إلى ذبح البعير ـ مع قلتها ـ ليشربوا ما في كرشه من الماء ، ولذلك سمي هذا الجيش جيش العُسْرَةِ‏ .‏

ومر الجيش الإسلامي في طريقه إلى تبوك بالحِجْر ـ ديار ثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، أي وادي القُرَى ـ فاستقى الناس من بئرها ، فلما راحوا قال رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ " ‏لا تشربوا من مائها ولا تتوضأوا منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئاً ‏" ‏، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح رسول الله .‏

وفي الصحيحين عن ابن عمر قال‏:‏ لما مر النبي(صلى الله عليه وسلم) بالحجر قال‏ :‏ "‏ لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين‏ "، ثم قَنعَ رأسه وأسرع بالسير حتى جاز الوادي ‏.‏

واشتدت في الطريق حاجة الجيش إلى الماء حتى شكوا إلى رسول اللّه ، فدعا اللّه ، فأرسل اللّه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس ، واحتملوا حاجاتهم من الماء ‏.‏

ولما قرب من تبوك قال ‏:‏ " ‏إنكم ستأتون غداً إن شاء اللّه تعالى عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يَضْحَى النهار ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي "‏، قال معاذ ‏:‏ فجئنا وقد سبق إليها رجلان ، والعين تَبِضُّ بشيء من مائها ، فسألهما رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏( ‏هل مسستما من مائها شيئاً‏ ؟ ‏‏)‏ قالا‏ :‏ نعم ‏.‏ وقال لهما ما شاء اللّه أن يقول ‏.‏ ثم غرف من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع الْوَشَلُ ، ثم غسل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) فيه وجهه ويده ، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير ، فاستقى الناس ، ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ " ‏يوشك يا معاذ ، إن طالت بك حياة أن ترى هاهنا قد ملئ جناناً‏ "‏‏.‏

وفي الطريق أو لما بلغ تبوك ـ على اختلاف الروايات ـ قال رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ " ‏تهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عِقَالَه "‏، فهبت ريح شديدة ، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء ‏.‏

وكان دأب رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) في الطريق أنه كان يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء جمع التقديم وجمع التأخير كليهما
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 9:32 pm

الجيش الإسلامي بتبوك


نزل الجيش الإسلامي بتبوك ، فعسكر هناك ، وهو مستعد للقاء العدو ، وقام رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) فيهم خطيباً ، فخطب خطبة بليغة ، أتى بجوامع الكلم، وحض على خير الدنيا والآخرة ، وحذر وأنذر ، وبشر وأبشر ، حتى رفع معنوياتهم ، وجبر بها ما كان فيهم من النقص والخلل من حيث قلة الزاد والمادة والمؤنة ‏.‏ وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) أخذهم الرعب ، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء ، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم ، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية ، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية ، وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة خطيرة ، لعلهم لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين ‏.‏

جاء يُحَنَّةُ بن رُؤْبَةَ صاحب أيْلَةَ ، فصالح الرسول(صلى الله عليه وسلم) وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جَرْبَاء وأهل أذْرُح ، فأعطوه الجزية ، وكتب لهم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) كتاباً فهو عندهم ، وصالحه أهل مِينَاء على ربع ثمارها ، وكتب لصاحب أيلة ‏:‏ "‏بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من اللّه ومحمد النبي رسول اللّه ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة ، سفنهم وسياراتهم في البر والبحر لهم ذمة اللّه وذمة محمد النبي ، ومن كان معه من أهل الشام وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثاً ، فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب لمن أخذه من الناس ، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر ‏" ‏‏.‏

وبعث رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِرِ دُومَة الجَنْدَل في أربعمائة وعشرين فارسا ً، وقال له‏ :‏ ‏(‏ إنك ستجده يصيد البقر ‏)‏ ، فأتاه خالد ، فلما كان من حصنه بمنظر العين ، خرجت بقرة ، تحك بقرونها باب القصر ، فخرج أكيدر لصيدها ـ وكانت ليلة مقمرة ـ فتلقاه خالد في خيله ، فأخذه وجاء به إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ، فحقن دمه ، وصالحه على ألفي بعير ، وثمانمائة رأس وأربعمائة درع ، وأربعمائة رمح ، وأقر بإعطاء الجزية ، فقاضاه مع يُحَنَّة على قضية دُومَة وتبوك وأيْلَةَ وَتَيْماء ‏.‏

وأيقنت القبائل التي كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتها الأقدمين قد فات أوانه ، فانقلبت لصالح المسلمين ، وهكذا توسعت حدود الدولة الإسلامية ، حتى لاقت حدود الرومان مباشرة ، وشهد عملاء الرومان نهايتهم إلى حد كبير ‏.‏





غزوة تبوك ( في رجب سنة 9 هـ ) - الرجوع إلى المدينة



ورجع الجيش الإسلامي من تبوك مظفرين منصورين ، لم ينالوا كيداً ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وفي الطريق عند عقبة حاول اثنا عشر رجلاً من المنافقين الفتك بالنبي(صلى الله عليه وسلم) ، وذلك أنه حينما كان يمر بتلك العقبة كان معه عمار يقود بزمام ناقته ، وحذيفة ابن اليمان يسوقها ، وأخذ الناس ببطن الوادي ، فانتهز أولئك المنافقون هذه الفرصة ‏.‏ فبينما رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) وصاحباه يسيران إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم ، قد غشوه وهم ملتثمون ، فبعث حذيفة فضرب وجوه رواحلهم بمِحْجَن كان معه ، فأرعبهم اللّه ، فأسرعوا في الفرار حتى لحقوا بالقوم ، وأخبر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بأسمائهم ، وبما هموا به ، فلذلك كان حذيفة يسمى بصاحب سـر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وفي ذلك يقول اللّه تعالى ‏:‏ "‏وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُوا‏ "‏ ‏[ ‏التوبة ‏:‏ 74‏ ] ‏‏.‏

ولما لاحت للنبي(صلى الله عليه وسلم) معالم المدينة من بعيد قال ‏:‏ "‏هذه طلة، وهذا أحُدٌ ، جبل يحبنا ونحبه "‏، وتسامع الناس بمقدمه ، فخرج النساء والصبيان والولائد يقابلن الجيش بحفاوة بالغة ويقلن ‏:




طلع البـدر علينا
وجب الشكر علينا


من ثنيات الوداع
مـا دعا لله داع



وكانت عودته(صلى الله عليه وسلم) من تبوك ودخوله في المدينة في رجب سنة 9هـ ، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوماً ، أقام منها عشرين يوماً في تبوك ، والبواقي قضاها في الطريق جيئة وذهوبًا‏ .‏ وكانت هذه الغزوة آخر غزواته(صلى الله عليه وسلم) .‏







المخلفون



وكانت هذه الغزوة ـ لظروفها الخاصة بها ـ اختباراً شديداً من اللّه ، امتاز به المؤمنون من غيرهم ، كما هي سنته تعالى في مثل هذه المواطن ، حيث يقول ‏:‏ ‏" ‏مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ‏ "‏‏[‏ آل عمران ‏:‏179‏ ]‏ فقد خرج لهذه الغزوة كل من كان مؤمناً صادقاً ، حتى صار التخلف أمارة على نفاق الرجل ، فكان الرجل إذا تخلف وذكروه لرسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) قال لهم‏ :‏ ‏( ‏دعوه ، فإن يكن فيه خير فسيلحقه اللّه بكم ، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم منه ‏) ‏، فلم يتخلف إلا من حبسهم العذر ، أو الذين كذبوا اللّه ورسوله من المنافقين ، الذين قعدوا بعد أن استأذنوا للقعود كذباً ، أو قعدوا ولم يستأذنوا رأسا‏ً .‏ نعم كان هناك ثلاثة نفر من المؤمنين الصادقين تخلفوا من غير مبرر ، وهم الذين أبلاهم اللّه ، ثم تاب عليهم‏ .‏

ولما دخل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) المدينة بدأ بالمسجد ، فصلى فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فأما المنافقون ـ وهم بضعة وثمانون رجلاً ـ فجاءوا يعتذرون بأنواع شتى من الأعذار ، وطفقوا يحلفون له ، فقبل منهم علانيتهم ، وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه ‏.‏

وأما النفر الثلاثة من المؤمنين الصادقين ـ وهم كعب بن مالك ، ومُرَارَة بن الربيع ، وهلال بن أمية ـ فاختاروا الصدق ، فأمر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) الصحابة ألا يكلموا هؤلاء الثلاثة ، وجرت ضد هؤلاء الثلاثة مقاطعة شديدة ، وتغير لهم الناس ، حتى تنكرت لهم الأرض ، وضاقت عليهم بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وبلغت بهم الشدة إلى أنهم بعد أن قضوا أربعين ليلة من بداية المقاطعة أمروا أن يعتزلوا نساءهم ، حتى تمت على مقاطعتهم خمسون ليلة ، ثم أنزل اللّه توبتهم ‏:‏ ‏" ‏وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ "‏ ‏[‏التوبة‏:‏118‏]‏‏.‏

وفرح المسلمون ، وفرح الثلاثة فرحاً لا يقاس مداه وغايته ، فبشروا وأبشروا واستبشروا وأجازوا وتصدقوا ، وكان أسعد يوم من أيام حياتهم ‏.‏

وأما الذين حبسهم العذر فقد قال تعالى فيهم ‏:‏ ‏" ‏لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ‏ "‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 91‏]‏‏‏ وقال فيهم رسول اللّه حين دنا من المدينة ‏:‏ ‏( ‏إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مَسِيراً ، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم ، حبسهم العُذْرُ‏ ) ‏، قـالوا ‏:‏ يا رسول اللّه ، وهــم بالمدينة ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏وهم بالمدينة ‏) ‏‏.‏


أثر الغزوة




وكان لهذه الغزوة أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين وتقويته على جزيرة العرب ، فقد تبين للناس أنه ليس لأي قوة من القوات أن تعيش في العرب سوى قوة الإسلام ، وبطلت بقايا أمل وأمنية كانت تتحرك في قلوب بقايا الجاهليين والمنافقين الذين كانوا يتربصون الدوائر بالمسلمين ، وكانوا قد عقدوا آمالهم بالرومان ، فقد استكانوا بعد هذه الغزوة ، واستسلموا للأمر الواقع ، الذي لم يجدوا عنه محيداً ولا مناصاً ‏.‏

ولذلك لم يبق للمنافقين أن يعاملهم المسلمون بالرفق واللين ، وقد أمر اللّه بالتشديد عليهم ، حتى نهى عن قبول صدقاتهم ، وعن الصلاة عليهم ، والاستغفار لهم والقيام على قبرهم ، وأمر بهدم وكرة دسهم وتآمرهم التي بنوها باسم المسجد ، وأنزل فيهم آيات افتضحوا بها افتضاحاً تاماً ، لم يبق في معرفتهم بعدها أي خفاء ، كأن الآيات قد نصت على أسمائهم لمن يسكن بالمدينة‏ .‏

ويعرف مدى أثر هذه الغزوة من أن العرب وإن كانت قد أخذت في التوافد إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بعد غزوة فتح مكة ، بل وما قبلها ، إلا أن تتابع الوفود وتكاثرها بلغ إلى القمة بعد هذه الغزوة‏ .‏

نزول القرآن حول موضوع الغزوة



نزلت آيات كثيرة من سورة براءة حول موضوع الغزوة ، نزل بعضها قبل الخروج ، وبعضها بعد الخروج ـ وهو في السفر ـ وبعض آخر منها بعد الرجوع إلى المدينة ، وقد اشتملت على ذكر ظروف الغزوة ، وفضح المنافقين ، وفضل المجاهدين والمخلصين ، وقبول التوبة من المؤمنين الصادقين ، الخارجين منهم في الغزوة والمتخلفين ، إلى غير ذلك من الأمور ‏.‏


بعض الوقائع المهمة في هذه السنة



وفي هذه السنة وقعت عدة وقائع لها أهمية في التاريخ ‏:‏

1 ـ بعد قدوم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) من تبوك وقع اللعان بين عُوَيْمِر العَجْلاني وامرأته‏ .‏

2 ـ رجمت المرأة الغامدية ، التي جاءت فاعترفت على نفسها بالفاحشة ، رجمت بعدما فطمت ابنها ‏.‏

3 ـ توفي النجاشي أصْحَمَة ، ملك الحبشة ، في رجب ، وصلي عليه رسول الله صلاة الغائب في المدينة ‏.‏

4 ـ توفيت أم كلثوم بنت النبي(صلى الله عليه وسلم) في شعبان ، فحزن عليها حزناً شديداً ، وقال لعثمان ‏:‏ ‏( ‏لو كانت عندي ثالثة لزوجتكها‏ ) ‏‏.‏

5 ـ مات رأس المنافقين عبد اللّه بن أبي بن سَلُول بعد مرجع رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) من تبوك ، فاستغفر له رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ، وصلى عليه بعد أن حاول عمر منعه عن الصلاة عليه ، وقد نزل القرآن بعد ذلك بموافقة عمر
‏.‏

المصدر : الرحيق المختوم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملكة الاحزان



عدد المساهمات : 53
تاريخ التسجيل : 16/07/2009

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الثلاثاء سبتمبر 29, 2009 5:37 pm

مشكورة ياسمين على مجهودك الاكثر من رائع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسمين رابح مصطفي



عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/07/2009
العمر : 27
الموقع : محافظة البحيرة :كفر الدوار

مُساهمةموضوع: رد: غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)   الأربعاء سبتمبر 30, 2009 8:52 pm

مشكورة لمرورك وتحياتى لكى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
غزوات الرسول (صلى الله علية وسلم)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: التاريخ الإسلامى العام :: الحروب والمعارك فى التاريخ الإسلامى-
انتقل الى: